mercredi 9 octobre 2013

مسودة مذكراتي : بقية الباب الأول : مرحلة التكوين..

مسودة مذكراتي بقية الباب الأول : مرحلة التكوين و تونس تناضل للتحرر من الاستعمار
. وكانت لي فرصة – تبينت لي أهميتها في ما بعد- مكنتني من متابعة يوم الجمعة 14 جانفي 1954 محاضرة مميزة بقي لها منها بعض الأثر في نفسي، و كان قد ألقاها الأستاذ" ريمون بار" -وهو مبرز في الأقتصاد السياسي- وذلك بنادي ما كان يسمى "بالصداقات التونسية" بمقر "معهد الآداب العربية الجميلة" نهج جامع الهوى بتونس. وكان موضوع المحاضرة تحليل معمق لوضع الاقتصاد التونسي وإشكالاته وآفاقه. وقد نشر نص هذه المحاضرة في العدد 65 من مجلة " أبلا" بتونس وفي "مجلة الاقتصاد السياسي" بباريس. وافتح "بار" محاضرته بالاستشهاد بفقرة من كتاب خير الدين يصف فيها الوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس ويشير إلى المخاطر المحدقة بوطننا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ثم إنطلق في الإشارة بإيجاز إلى ما أنجزه الاستعمار في تونس منذ انتصاب الحماية في ما سماه "بتعصير وتنمية الاقتصاد التونسي" مستشهدا أساسا بمضاعفة عدد السكان و " بتقدم اقتصادي واجتماعي وثقافي يفسر طوق التونسيين إلى الاستقلال." ثم يركز تحليله على محورين : -تعلق المحور الأول بتحليل مرقم لخصائص الاقتصاد التونسي و هيكلتة مركزا على نقط الضعف ومستخلصا أن الإحصائيات تبرز أن الأجانب متواجدين بنسبة 12 في المئة في القطاع الفلاحي و41 في المئة في القطاع الصناعي و بنسبة 17 في المئة في قطاع الخدمات في الوقت الذي يتواجد 48 في المئة من التونسيين في القطاع الفلاحي أغلبهم يستغلون مساحات صغرى و13 في المئة في القطاع الصناعي التقليدي و 39 في المئة في قطاع الخدمات الصغرى. - وتعلق المحور الثاني على أهم إشكاليات الاقتصاد التونسي وعلى الخطوط الكبرى التي يتعين اعتمادها لفتح آفاق جديدة للتنمية الاقتصادية التونسية مستعرضا العوائق الأساسية من وجهة نظره والمتمثلة بالخصوص منذ تلك الفترة في التشتت العقاري وفي ضعف الإنتاجية وضعف مهارة اليد العاملة. ثم يقدم تصوراته الأولية لصياغة برنامج عمل تنموي في نطاق مخطط رباعي جديد يجعل النمو الاقتصادي في خدمة تحقيق أهداف تقدم اجتماعي.وضع بكل وضوح الأستاذ "ريمون بار" أمام مستمعيه السؤال التالي: هل يجب إعطاء الأولوية إلى التنمية الفلاحية أم إلى التنمية الصناعية في تونس؟ ثم يقر انه يتحتم في فترة أولى إعطاء الأولوية للتنمية الفلاحية شريطة أن يقع إحكام صياغة سياسة جديدة متعدد الجوانب وتعتمد بالخصوص على الميادين التالية: -1سياسة عقارية تكون العمود الفقري لهذه التنمية ويكون فيها إصلاح أراضي الأحباس محورا أساسي إلى جانب ضرورة تصور حلول جذرية للتجزئة الأراضي. -2 سياسة محكمة لتعبئة الموارد المائية -3 مجهود كبير لتطوير التكوين الفلاحي العصري و إرشاد الفلاحين عبر ضيعات مثالية تغطي كافة الأرياف. -4 مجهود تأقلم المنتوجات الفلاحية مع خصائص كل جهة ومع مساحة الأراضي المستغلة مع تكثيف إنتاج الأعلاف الضرورية لحماية وتطوير تربية الماشية. -5 تنظيم محكم لأسواق المنتجات الفلاحية لتحقيق توازن الأسعار وضمان دخل قار للفلاحين مع تشجيع التصدير بالنسبة لمنتوجات مثل زيت الزيتون. ثم يقول "بار" إن تعصير القطاع الفلاحي الحتمي في تونس سيؤدي تدريجيا إلى بروز إشكالية التشغيل متسائلا هل يمكن عندئذ أن يكون تطوير التصنيع هو الحل؟ ثم يجيب ان التصنيع وخاصة في مجال الصناعة الثقيلة لا يمكن أن ينجح إلا في نطاق تصور تكامل صناعي على مستوى كامل السوق المغاربية. وستكون دائما التنمية الفلاحية هي السباقة للتصنيع شريطة أن توفر في البلاد تنمية عالية للمداخيل تؤدي إلى رفع الطلب داخلي الضروري. ويختم" بار" محاضرته بالإشارة إلى ضرورة الابتعاد عن المنهج الفرنسي في التخطيط و تصور تنمية البلاد التونسية على المدى المتوسط و الطويل حتى تأخذ القرارات الصائبة في حينها. لم يتجاسر بالطبع الأستاذ ريمون بار في محاضرته الطولية على تناول الوضع الاجتماعي المأساوي الذي كان يتخبط فيه أكثر من نصف المواطنين التونسيين بعد أكثر من سعبين سنة من الاستعمار الفرنسي.وقد كان عدد السكان في وطننا في تلك الفترة حوالي ثلاثة ملايين و400 ألف و كان أكثر من نصفهم في حالة مجاعة و سوء تغذية وبؤس شديد وهم يسكنون الأكواخ من الطوب. وكان الفرنسي الجسور الطبيب الباحث الدكتور" اتيان بورني" قد أقر بنفسه أن "حوالي 54 في المأة من التونسيون كانوا في حالة مجاعة دائمة وبؤس فادح". وعلى كل فقد كانت فرصة استماعي لهذه المحاضرة استكمالا للدروس النظرية في الاقتصاد وخاصة في الاقتصاد السياسي التي تابعتها في المعهد بتونس وكنت قد تمكنت من جلب نسخة من دروس هذه المادة من كلية باريس. وقد استفدت كثيرا من تصور واقع الاقتصاد الوطني من طرف رجل مقتدر و نزيه كان و بقي يكن للتونسيين كامل التقدير و يجاهر منذ سنة 1953 بأنه يعتقد بأن التونسيين أصبحوا مؤهلين للتحكم في مصيرهم وأن مطالبتهم بالاستقلال أمر شرعي. أنهى الأستاذ " ريمون بار" تدريسه بتونس مع نهاية السنة الجامعية 1953-1954 و خسرناه في تونس إّذ انتقل إلى فرنسى أين أصدر كتابا للطلبة في الاقتصاد السياسي في جزأين كانت محاوره الأساسية الدروس التي ألقاها بتونس وكان لهذا الكتاب رواج كبير في أوساط الطلبة في فرنسا وفي البلدان المستعملة للغة الفرنسية مثل تونس. و اشتهر هذا الكتاب حتى انه أصبح يسمى ويعرف من طرف الطلبة باسم مؤلفه " البار".و يستحق هذا الرجل من وجهة نظري أن نطلق اسمه على شارع من شوارع عاصمتنا. بالاضافة الى تأثري الكبير بدروس الأستاذ ريمون بار كنت مولعا بكتب الأستاذ فرسوا بيرو François Perroux المتعلقة بالخصوص بتنمية الدول التي كانت مستعمرة وكذلك طالعت بشغف كبير كتب الأستاذ جان مرشال Jean Marchal وخاصة كتابه : دروس في الاقتصاد السياسي الصادر سنة 1950 وكتابه: الأشكاليات الاقتصادية الكبرى المعاصرة الصادر سنة 1948 وكتابه : ميكانسمات الأسعار وهيكلة الاقتصاد 1946 وكتابه: حول مردودية الأنظمة الجبائية ونظرية تأثير الآداءت 1942. وتابعت دراسة كتب جان مرشال بعد الدراسة وأنكببت على كتبه التالية: توزيع الدخل الوطني 1958 ثم الأنتعاش والركود 1963 ثم النقد والقروض 1964 وأخيرا النظام النقدي العالمي: من بيرتن ودس الى نظام الصرف العائم. خطاب منداس فرنس صباح 31 جويلية 1954 في قصر قرطاج كنت بمدينة المهدية يوم إلقاء منداس فرانس رئيس الحكومة الفرنسية خطابه التاريخي بين يدي الأمين باي بقصر قرطاج مصطحبا الجنرال "جوان".واستمعت مع جدي مصطفى عبر المذياع إلى فحوى الخطاب الدي أعلن بكل وضوح عن استعداد الحكومة الفرنسية الدخول في مفاوضات جدية مع حكومة تونسية صرفة للبلوغ إلى إستقلال تونس بمراحل موضوعية وعبر الحوار والتعاون النزيه.صدق الرجل و شجاعته القوية لانهاء مصيبة حرب الهند- الصينية جعلت كافة أهالي المهدية فرحين و مقتنعين أن عهدا جديد فتح في ذلك اليوم سينسينا في الوعود السابقة التي لم يتبعها أي إنجاز. إنتبهت إلى جدي وقد أغرورقت عيناه بالدموع وقال : " الحمد الله عشت هذا اليوم الذي سينطلق فيه تحقيق كل ما ناضل من أجله وأفنى عمره مبكرا إبني الطاهر". في السنة الجامعية 1954-1955 تمكنت من التحصيل على عمل كقيم كامل الوقت في المعهد الثانوي المختلط بقرطاج وأتذكر بعض الأسماء للتلاميذ المتواجدين في هذا المعهد في تلك الفترة مثل الدالي الجازي( الذي سيصبح أستاذا جامعيا ثم وزيرا) و كلوديا كردينال ( التي ستصبح نجمة سينمائية مشهورة) ونجيب صفر ( الذي سيصبح طبيب مختص في العيون) و وخالد الطبربي و جودة غراب و الصادق خلاص وغيرهم. و أتذكر من بين القيمين الذين اشتغلوا معي في معهد قرطاج عبد الوهاب حروش ( الذي كان تلميذا معي في معهد صفاقس وقد تابع دراسته في السنة التحضيرية للصيدلة) و زركاء ( وهو يهودي له الجنسيتين التونسية والفرنسية وقد تابع دراسته في الحقوق) وماليس فييو ( وهو فرنسي ابن السيدة فييو التي كانت تملك وتدير النزل الذي كان في وسط قرية عين دراهم وقد تابع دراسته العليا في الجغرافية والتاريخ) ومن بين الأساتذة الذين كانوا يدرسون في المعهد أتذكر من بين التونسيين الأستاذ القدادي الذي كان يدرس اللغة الأنقليزية و الأستاذ الدرويش الذي كان يدرس اللغة العربية والأستاذ الصادق العايدي الذي كان يدرس الرياضيات وكان متزوجا بسيدة فرنسية فاضلة كانت تدرس نفس المادة وقد انجب طفلان سمى الأول فرحات والثاني حشاد. كنت أتابع من خلال تحاليل جريدة الصباح تطور المفاوضات المتعلقة بالاستقلال الداخلي التي كانت تقوم بها حكومة الطاهر بن عمار بمشاركة وزراء مستقلون: من بينهم محمد العزبز الجلولي والشادلي رحيم.. و وزراء دستوريون : المنجي سليم والهادي نويرة و محمد المصمودي و الصادق المقدم. كما تابعت المجهودات الكبيرة الذي بذلها عدد من الزعماء التونسيين في مقدمتهم أحمد التليلي لإقناع المقاومين التونسيين لتسليم سلاحهم وإيقاف الكفاح المسلح الذي تم في ديسمبر 1954 فا تحا الباب لانطلاق جدي في التفاوض عن مضموت الاستقلال الداخلي للوطننا. وأسقطت حكومة منداس فرنس في فيفري 1955 و من حسن حض تونس أن خلفه صديق لتونس كان قد عاش فوق أرضها كمحامي في فترة الحرب العالمية الثانية وهو"إدقار فور" .وبقيت متفائلا لمآل المفاوضات بالرغم من تعدد الصعاب و المناهضة الشديدة من طرف الاستعماريين في تونس وفي فرنسا. وتم تجاوز العقبات الأخيرة قبل إمضاء إتفاقيات ما مسمي بالاستقلال الداخلي بعد لقاء حاسم لبورقيبة بصفته رئيس الحزب الحر الدستوري مع رئيس الحكومة الفرنسية إدقار فور بقصر " ماتينيون". ثم كان يوم غرة جوان 1955 ذلك اليوم التاريخي المشهود الذي شعرت فيه – قبل الاعلان عن الاستقلال التام الذي لم أشك لحظة أنه آتي ولا ريب فيه-أن الشعب تونسي تحول من رعايا إلى موطنين أحرار. عندما أنطلقت المظاهرات الطلابية في مدينة تونس بعد إعتقال زعماء الحزب الحر الدستوري الجديد ابتداءا من 18 جانفي 1952 كان من بين من إستشهد بطلقات نيران قوات المستعمر على المتظاهرين العزل الطالب الزيتوني حمزة الدهماني أصيل مدينة المهدية وكان في مقدمة المظاهرة حاملا للعلم التونسي المفدى.و في الوثقة التي مصدرها الأصلي "جريدة العمل" والتي تروي لنا اجتماع ذكرى الشهداء بالمهدية يوم 18 مارس 1958 وردغلط مطبعي بالنسبة للتاريخ الاستشهاد. والصحيح هو يوم 15 مارس سنة 1952 عوضا عن سنة 1954 كما هو مذكور اسفله. بمجرد تحقيق الاستقلال الداخلي ابتعدت عن النشاط السياسي وانغمست في دراستي و وجهت مجهوداتي في مجال النشاط الكشفي لتحقيق توحيد الجمعيات الكشفية وهو ذلك الحلم الذي راود العديد من القادة منذ سنة 1945 وفي مقدمتهم المنجي بالي. وإستأت كثيرا- مثل العديد من شباب تونس في تلك الفترة- من طريقة فض النزاع البورقيبي- اليوسفي.كان هذا النزاع امتحانا للقادة السياسيين في بلادنا..كان الشعب بريء من ملابسات هذا الانشقاق الخطير...ويتحمل مسؤوليات انحرافات هذا النزاع كلا الطرفين و بالدرجة الأولى الزعيمان الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف.لو كان الزعيمان ديمقراطيان بحق لتمكنا بسهولة من الاتفاق منذ سنة 1955 وبدأ من نشوب الخلاف على خطة سلمية وسياسية بحق تتمثل في بروز حزب معارض يعبر بأسلوب سلمي على وجهة نضره ويحرم كلا الطرفان على أنفسهما استعمال العنف أللفضي والمادي والتناحر....فاتت فرصة ذهبية لإرساء التربية الديمقراطية في وطننا و زرعت بذرة خبيثة.....ستفسر مع الأسف بقية الصعاب التي ستتعرض لها تونس لفض التوترات الاجتماعية والسياسية طيلة المسار الوطني بعد الاستقلال. على مدى حوالي نصف قرن.... انتقلت بعد دراستي بمعهد الدراسات العليا بتونس إلى باريس في أكتوبر1958 لمواصلة التخصص في التقنيات الجنائية والمالية العمومية بالمعهد الوطني للأداءت التابع لوزارة المالية والاقتصاد الفرنسية وتابعت كذلك دروسا في التاريخ بكلية السربون. وكنت قبل انتقالي إلى باريس قد استجبت مع حوالي 100 طالب تونسي لنداء انتداب متفقدين صدر عن وزير المالية السيد الهادي نويرة الذي حاول المستعمر تعجيزه في مهامه الجديدة بالحث على المغادرة المفاجئة لعدد كبير من سامي الموظفين الفرنسيين العاملين بوزارة المالية وبالخصوص في مصلح الجباية والديوانة. وانتدبت فعلا مع زملائي يوم 7 جانفي 1957 بصفة متفقد تلميذ لتربص يدوم سنتين مع إمكانية مواصلة الدراسة في القانون والاقتصاد بالمعهد لمن يرغب في ذلك. وقضيت تربص في وزارة المالية بمصلحة الاداءات المباشرة المتواجدة في نهج الحبيب ثامر. وتابعت دروس مسائية في مبنى بورصة الشغل حرص الهادي نويرة على حسن تنظيمها ومتابعة مستواها العلمي بنفسه.وكانت هذه الدروس تتعلق بالخصوص بالقانون التجاري والقانون المدني والاقتصاد والمالية العمومية والقانون الإداري التونسي والمحاسبة العمومية و المحاسبة التجارية. واختارالهادي نويرة عدد من الحكام فرنسسين لالقاء دروس القانون وكان المرحوم على الزواوي التونسي الوحيد المتملك من المحاسبة التجارية في تلك الفترة و قد كلفه الهادي نويرة بتدريس هذه المادة لكافة المتفقدين المتربصين. وكان الأستاذ علي زواوي في تلك الفترة يتحمل أعباء ادارة التكوين التقني والمهني في وزارة التربية الوطنية وقد نجح في القاء دروسه وفي اعدادها مستعملا طرق بيداغوشية عصرية جعلت جل الحاضرين يقبلون على هذه المادة التي تبدو مضجرة ومنفرة من أول وهلة وقد توفق علي الزواوي برشاقته و وضوح تقديمه للدروس الى ما لم يتوفق غيره في هذه المادة وأدخلها في أدمغتنا وأكثر من ذلك فقد "حببها" لكل من كان يكرها. وفي سبتتبر 1958 اختار الهادي نويرة وزير المالية عددا من أحسن المتربصين وأرسلهم لباريس لاستكمال التخصص: فوج التحق بالمدرسة الفرنسية للقمارق والفوج الثاني التحق بالمدرسة الفرنسية للجباية التابعة لوزارة المالية الفرنسية. وكنت ضمن الفوج الثاني. والتحقنا بباريس في اكتوبر 1958. قضينا هناك السنة الجامعية 1958- 1959 وعدنا الى الوزارة المالية التونسي في شهر سبتنبر 1959. كان معي في مدرسة الآداءات في باريس بالخصوص الزملاء توفيق القلعي و صالح مباركة و محمد الخضراوي ومحمود بسباس وعبد العزيز المنيف وأعتقد كذلك ماهر القدادي وهو الأخ الأصغر للأستاذ القدادي الذي تعرفت عليه كأستاذ اللغة الانكليزية في معهد قرطاج ثم انتقل بعد الاستقلال الى العمل الديبلوماسي. كانت تلقى الدروس في معهد باريس صباح كل يوم ما عدى يوم الأحد في البناية المتواجدة في نهج "مومورنسي" مما سمح لي بمتابعة بعض الدروس بعد منتصف النهار بالسربون في التاريخ وبكلية الحقوق بالنسبة للحقوق والاقتصاد.وكانت مكتبة " سانت جنوفياف " في الحي اللاتيني مقري المحبذ عندما لا تكون لي دروس في الكلية. فكانت سنة مكرسة كلها للدراسة المكثفة ماعدى مساء السبت الذي سخرته لما كنت مولعا به: المسرح. صورة في حديقة اللكسنبرق بالحي اللاتيني ببارس يوم أحد من شهر ديسنبر 1958 وقد نزل الثلج غزيرا و يلاحظ من اليمين الى اليسار: توفيق القلعي- رشيد صفر- عبد العزيز المنيف- و محمد الخضراوي. صورة لرشيد صفرفي سنة 1954 مرحلة دراسته بتونس بمعهد الراسات العليا وكان المعهد في تلك الفترة تحت اشاراف جامعة السربون في باريس. أثناء الفترة, التي تواجدت فيها بالعاصمة التونسية لمواصلة تعليمي العالي من اكتوبر 1953 إلى سبتنبر 1958,نشطت بجمعية الكشافة الإسلامية التونسية وتحملت فيها العديد من المسؤوليات خاصة في قسم التجوال وشاركت مع عدد من القادة المنتمين إلى الحركات الكشفية من بينهم بالخصوص القائد العام عبد الله الزواغي في توحيد الجمعيات الكشفية التونسية بمجرد ما تحصلت تونس على استقلالها الداخلي و هكذا شاركت بنشاط مكثف في إعداد المؤتمر التأسيسي لبعت المنظمة الكشفية الموحدة: "الكشافة التونسية" وهي الجمعية التي بقيت تنشط حتى اليوم.وكان لي لقاء حاسم في قضية التوحيد مع رئيس الحزب الزعيم الحبيب بورقيبة حتى تم تحقيق انعقاد المؤتمر وكان بورقيبة في تلك الفترة يتحمل إلى جانب رئاسة الحزب رئاسة أول حكومة وطنية بعد الاستقلال بلادنا. وتمت المقابلة في المنزل الذي كان يسكنه بورقيبة في تلك الفترة ( جوان 1956) في مدينة سيدي بوسعيد في الضاحية الشمالية للعاصمة وذلك حوالي الساعة الثانية بعد الزوال واستقبلني برقيبة في بيت النوم وكان تجهيز البيت في نهاية التواضع وكان مذياع صغير فوق طاولة على يسار السرير وأجلسني على كرسي قرب فراشه. وبقي مستريحا فوق فراشه يستمع إلى عرضي بدون أن يقاطعني وتوفقت إلى إقناع بورقيبة بفوائد توحيد الجمعيات الكشفية في الوقت الذي كان فيه عدد من أعضاء الديوان السياسي للحزب يحبذون إبقاء تعددية الجمعيات الكشفية متعللين بأنها تحاكي الجمعيات الرياضية وتستفيد من المنافسة وذلك بعد أن وضحت" للمجاهد الأكبر" بحماس, (وسني لم يتجاوز22 سنة), الفرق الكبير الذي يميز بين مقتضيات التربية الكشفية و بين التدريب الرياضي الذي يعتمد أساسا المنافسة. وقدمت للزعيم الحبيب برقيبة نماذج واضحة من السلبيات التي لاحظتها شخصيا طيلة سنوات من جراء تعدد جمعيات كشفية كان جلها هزيل النشاط ما عدا المنظمة الكبرى و المنتشرة في كل أنحاء البلاد التونسية والتي كانت بدون منازع تتمثل في جمعية الكشافة الإسلامية التونسية التي كنت أنتمي إليها ونشطت فيها ابتداء من سنة 1950حتى انعقاد المؤتمر التوحيدي سنة 1956.كان الرئيس بورقيبة يتصور أني طلبت مقابلته عن طريق السيدة زوجته "ماتلد" لأني كنت أرغب تقديم مطلبا شخصيا. فعندما أنهيت الحديث معه و وعدني بأنه مقتنع بوجه نظري موضحا بأن التردد الذي حصل في الديوان السياسي في عملية التوحيد لا مبررله وان العملية ستتم. فرمت إلى توديعه شاكرا فقال لي :" وأنت ما هي طموحاتك ما عدى الكشافة؟" ابتسمت وقلت :" لم أكمل بعد دراستي العليا. و أعمل حاليا بكتابة الدولة للشباب والرياضة كمندوب للكشافة بصفة وقتية بعد أن اشتعلت كقيم في معهد قرطاج وأواصل في نفس الوقت دروسي في معهد الدراسات العليا وأريد الاختصاص في المالية العمومية والاقتصاد لأني أتصور أن حاجات البلاد ستكون هامة جدا في هذا المجال وعدد التونسيين الذين يختارون مواصلة الدراسة العليا في الاقتصاد قليل جدا. وإني حريص على الانطلاق في عملي المهني على أساس الاقتدار الكامل.» فشكرني على توجهي وتمنى لي النجاح وغادرت بيت نوم الرئيس مبتهجا بما توفقت إليه. كان هذا اللقاء الذي جمعني مع بورقيبة هو سادس لقاء من اللقاء التي أتذكرها منذ عهد الصبي: تحدث عن اللقاء الأول في الجزاء الأول من المذكرات وكان في منزل أبي في يوم أحد من شهر مارس 1938. أما اللقاء ثاني فكان بالمهدية في الأربعينيات بعد خروج بورقيبة من السجن وعودته من إيطالية إلى أرض الوطن وقد كلفتني هيئة نادي التعاون بالمهدية وأنا تلميذ بالمدرسة الابتدائية بإلقاء كلمة ترحيب حررتها بمفردي وتأثر كثيرا بالاستماع إليها. وكان اللقاء الثالث في صيف 1950عندما كلفت بقيادة فريق الطاهر صفر للجوالة الذي رافق بورقيبة طيلة زيارته وإقامته بالمهدية. وكان اللقاء الرابع يوم غرة جوان 1955 عند نزوله من الباخرة مدينة الجزائر وتقليدي له المنديل الكشفي. وأما اللقاء الخامس فكان في آخر جويلية 1955 بمناسبة تقديم المسرحية السنوية لإقليم تونس للكشافة الإسلامية التونسية بقاعة مقر الجمعيات بشارع باريس بالعاصمة وطلب مني قائد الإقليم الطاهر درغوث بضعة دقائق قبل قدوم الزعيم بارتجال كلمة الترحيب. أعلمت بفحوى هذا اللقاء السادس وبنتيجته فقط القائد العام للكشافة الإسلامية التونسية عبد الله الزواغي ولم أعلم كاتب الدولة للشباب والرياضة المناضل عزوز الرباعي حتى لا يحز ذلك في نفسه لأني تجاوزته في هذا الموضوع الذي كنت أعير له أهمية كبرى وكنت أعتقد راسخ الاعتقاد أن البلاد ستستفيد الكثير من التكوين التي ستوفره للشباب التونسي منظمة موحدة و عتيدة مثل "الكشافة التونسية". وتم فعلا انعقاد المؤتمر التوحيدي بعد هذا اللقاء مع "المجاهد الأكبر" في القاعة الكبرى بكتابة الدولة للشباب والرياضة بنهج باريس بالعاصمة وافتح المؤتمر الذي انبثقت عنه جمعية الكشافة التونسية المناضل عزوز الرباعي بحضور ممثلين عن الأربع جمعيات. وبهذه المناسبة إن الواجب يفرض أن أتقدم بتحية تقدير وإكبار لكل القادة من مختلف الجمعيات الذي وضعوا ثقتهم في وكانوا راضين كامل الرضا على ضبطي النهائي لقائمة المؤتمرين الممثلين لمختلف الجمعيات المتوحدة وأخص بالذكر منهم القائد عبد الله الزواغي ( الملقب بالماموت) والذي سيكون أول قائد عام للجمعية الجديدة الموحدة وللقائد محمود بالحاج صالح( الملقب بالورل) الذي تواصل عطاؤه السخي للحركة الكشفية خلال أكثر من نصف قرن وكان من بين القادة الذين أعانوني كثيرا في عملية الإعداد المادي للتوحيد إذ باتفاق مع قيادة الجمعيات المقدمة على التوحيد قد عهدت إليه مسؤولية التدقيق ثم التوقيف لحساباتها, وقام بهذا العمل على أحسن وجه, وأسندت له بعد انتهاء أشغال المؤتمر التوحيدي أمانة مال الجمعية الجديدة وذلك في مطلع صيف سنة 1956وقد قام بهذه المسؤولية الصعبة بحذق ومهنية عالية طيلة سنين عديدة "وكان دوما متنقلا بين المخيمات والملتقيات الكبيرة والصغيرة للتثبت من كل شيء..."وللقادة أمثال عبد الله الزواغي ومحمود بالحاج صالح والمنجي بالي و الهادي السافي وزكرياء بن مصطفى وسليم بن مصطفى ,احمد منصور وأحمد الشاوش وعبد المجيد شاكر والطاهر درغوث وتوفيق السلامي وعبد الحميد الأسود و محمد رشاد الباجي وغيرهم عديد – فضل كبير على الحركة الكشفية التونسية. تكونت على أيديهم أجيال من الشباب التونسي الذي أفاد الوطن. غادرنا الى دار الخلود عدد كبير منهم...ودعناهم واللوعة في قلوبنا..غادرنا القائد عبد الله الزواغي وسالت دموعنا في مكوب دفنه يمقبرة الجلاز بتونس وبقيت أتذكر أبياتا من قصيدة ألقاها القائد -المحبوب من طرف الجميع- الأستاذ البشير العريبي : " توليت- عبد الله- عنا إلى الأبد° وخلفت فينا لوعة الفقد..و الكأب" " توليت-عبد الله- غير مودع.. ° وخلفت كشافيك والأهل والولد " "أشاقك صحب أسرعوا نحوربه° فأسرعت نحوالبارىء الواحد الأحد" °°°° صورة للقائد العام عبد الله الزواغي. كنا في الجمعية الكشفية التي أنتمي اليها نفكر في سبل توحيد الجمعيات الكشفية بالخصوص منذ الاستقلال الداخلي وكنت من المتحمسين جدا لعملية التوحيد وكنت أتابع تطور المساعي كل يوم.بعد انعقاد مؤتمر تمهيدي للوحدة بمركز ببأر الباي في صيف 1955 مباشرة بعد انعقاد المؤتمر السنوي لجمعيتنا.. وكانت كذلك في مستوى الديوان السياسي للحزب الدستوري الأفكار متابائنة بالنسبة لمزايا التوحيد.....وكان البعض يفضل التعددية التي تكون حسب تصوراتهم تشجع على المناقسة التي ينجر عنها تحسين التكوين...ولكن في الحقيقة كانت هنالك اعتبارات اخرى تعرقل عملية التوحيد التي شهدت في الأربعينيات محاولات فاشلة أبقت آثارها...وصممت على بذل كل المساعي حتى أساند تيار التوحيد...وعندما بلغتني بعض الاخبار من طرف الرفقاء القادة تفيد بالتردد من طرف جمعية معينة نشرت قبل إنعقاد المؤتمر الخامس للحزب الحر الدستوري بصفاقس ( 15-19 نوفنبر 1955 ) في عدد أكتوبر- نوفنير 1955 من مجلة الجمعية "السبيل" تحت باب " إننا نطالب" مقالا عنوانه " إننا نطالب بالوحدة الكشفي على أسس صحيحة" ويجد القاري نسخة مصورة لجزء من هذا المقال . أتذكر مليا أني بعد أن أنهيت عمليات تسجيلي للانطلاق في الدراسة بمعهد الدراسات العليا بالعاصمة وبعد أن تسلمت البيت الذي سأقيم به في معهد"كارنوا" كقيم اتجهت مباشرة إلى نادي جمعية الكشافة الإسلامية التونسية في نهج بوخريص بالعاصمة و وجدت القائد عبد الله الزواغي في مكتبه فاستقبلني بلطفه المعهود وتمنى لي النجاح في المرحلة الجديدة من دراستي ثم قال: "و لا أشك انك ستواصل العمل معنا من الآن في العاصمة، نشاطك المتقطع مع فريق المهدية لا يكفي الآن، وفي المهدية لك من المساعدين الأكفاء الذين يستطيعون مواصلة العمل باقتدار. وأما هنا فلنا عديد من الشغورات التي يتعين عليا بالخصوص الإسراع بإيجاد لها القادة الأكفاء. فمثلا بالنسبة لإقليم العاصمة، المتمركز حاليا بهذا النادي بصفة وقتية،فإن قائد الإقليم الأخ الطاهر درغوث في حاجة أكيدة لإعادة هيكلة قسم التجوال في الإقليم حتىنرفع في نسق تكوين فرق الجوالة بالعاصمة ومتابعة نشاطهم وتكثيف تكوين القادة.". وكنت قد سمعت عن القائد الطاهر درغوث وعن حسن أخلاقه الكثير1قيل اقامتي بالعاصمة ولم أكن أعرفه عن كثب ولكني قلت للقائد عبد الله الزواغي بدون تردد:" إني دائما مستعد لتسخير كامل أوقات فراغي للنشاط الكشفي وأتصور أني سأستطيع التوفيق بين الدراسة والعمل كقيم نصف الوقت في معهد "كارنو" و النشاط الكشفي.إني لا أعرف القائد درغوث معرفة مباشرة ولكن لم أسمع عليه إلا الجميل والإشادة بخصاله فان رأيتم أني أستطيع إعانته فمرحبا بالمقترح." فقال القائد عبد الله :" نلتقي غدا مع الأخ الطاهر وسيكون فرحا باحتضانك معه في هيئة الإقليم". وكان هكذا هذا اللقاء العفوي مع القائد عبد الله الزواغي بداية عمل كشفي منعش في إقليم تونس دام حتى نالت تونس استقلالها واقترن بمسؤوليات قومية في الجمعية ابتدءا من سنة 1955حيث انضممت إلى القسم الوطني للتجوال بقيادة القائد التيجاني الكتاري وكذلك إلى الدورية المكلفة بإعداد وإصدار مجلة الجمعية مجلة " السبيل". انموذج من قادة الكشافة الميثاليين: الاستاذ الطاهر درغوث صورة للقائد الطاهر درغوث يقود استعراضا كشفي بالعاصمة سنة 1954. صورة للأستاذ الطاهر درغوث وزوجته ليليا ولدت جمعة أريد إفراد القائد الطاهر درغوث بفقرة خاصة في مذكراتي - لا لأنه فقط من أفضل القادة في الجمعية الكشفية " الكشافة الإسلامية التونسية (وكان عددهم كبير في تلك الفترة وهذا من حظ تونس وبفضل مجهود الرواد الأولون وفي مقدمتهم القائد الفذ المنجي بالي) التي كانت تزخر بقادة ممتازين تعلمت عليهم الكثير مثل القائد توفيق السلامي و القائد التيجاني الكتاري و القائد الهادي السافي و القائدعبد الله الزواغي و القائد عبد المجيد شاكر و القائد زكرياء بن مصطفى والقائد محمد الصيد وغيرهم عديد وبقيت مدين لهم بما تحصلت عليه من تكوين كشفي صحيح وسليم,- ولكن لأني وجدت في الطاهر درغوث -بالإضافة إلى خصاله وتفانيه كقائد كشفي مقتدر- كثير من الخصال التي عرفتها في والدي وبالخصوص تواضعه الكبير وتفانيه الطبيعي في خدمة الآخر وإنسانيته العالية والصادقة وفلسفة في الحيات تشبه تلك التي غذت مشاعر وأحاسيس والدي بالرغم من التباين في التكوين, إذ كان الطاهر درغوث أستاذا في الرياضيات, ولكن سلوكه كان سلوك الفيلسوف الزاهد في الحياة والمسخر نفسه لخدمة الغير على الدوام. فكان سي الطاهر يمثل المناضل المثالي الحق. والقائد الطاهر درغوث من عائلة عريقة في النضال، جده الشاذلي درغوث ناضل من بداية انطلاق الحركة الوطنية وذلك قبل الحرب العالمية الأولى و أما والده علي درغوث فقد ناضل في صفوف الحزب الحر الدستوري الجديدة من البداية وكانت له علاقة وطيدة مع والدي بالرغم من الاختلاف في بعض الآراء والمواقف خاصة يوم 9أفريل 1938. ولد الطاهر درغوث سنة 1917 وتوفي سنة 1989 وكنت في تلك السنة مقيما بمدينة "بروكسال" ولم أعلم بوفاته إلى بعد عودتي النهائية إلى تونس.الطاهر درغوث له تقريبا نفس سن المناضل رشيد ادريس وعاشا الرجلان في نفس الحي في المدينة بالعاصمة قرب نهج السيدة عجولة. ولكن لم يتعرف الرشيد ادريس على الطاهر درغوث إلا في فترة اعتقال والده اثر محنة أحداث 9 أفريل 1938وذلك بمجرد عودته من باريس بعد إتمام دراسته في الرياضيات. فساهم هكذا الطاهر درغوث في تدريب فرقة الكشافة التي كانت تابعة لجمعية الشبان المسلمين وتعرف رشيد إدريس في تلك الفترة بمناضل سيكون له شأن محوري في المقاومة السرية في العاصمة ألا وهو المناضل سليمان آغة. وشارك الطاهر درغوث في الأربعينيات في الإعداد لبعض العمليات النضالية السرية التي كادت تؤدي بحياته وذلك في صمت حتى بعد تحقيق الاستقلال. وهو رجل يكره طبعه التظاهر والتبجح بالقيام بالواجب وهي خصال من شيم الكشاف العصامي. تزوج الطاهر درغوث بامرأة فاضلة وذات لطف متناهي وهي السيدة ليليا جمعة. وتفانت ليليا في إعانته على نضاله وكانت القرينة المخلصة والمساندة لكافة مبادراته والمتحملة بصبر وتجلد كافة الصعاب. أهم المسؤوليات الكشفية التي تقلدها الأستاذ الطاهر درغوث تمثلت في قيادة إقليم صفاقس للكشاف المسلم التونسي ابتدءا من سنة 1945 حيث كان يدرس الرياضيات في معهد صفاقس وذلك قبل قدومي إلى هذه المدينة للالتحاق بمعهدها بحوالي سنتين وكان القائد التيجاني الكتاري مساعدا له في تلك الفترة بصفة نائبا لقائد الإقليم في صفاقس وكان كذلك في تلك الفترة حول الطاهر درغوث التلميذ حامد الزغل كقائد قسم الكشافة و التلميذعبد المجيد شاكر كقائد قسم التجوال والتلميذ عبد المجيد بعبع كقائد قسم الأشبال.ثم تقلد الطاهر درغوث قيادة إقليم العاصمة من بداية الخمسينيات عندما غادر صفاقس و أصبح يدرس في المعهد الفني " ايميل لوبي". وجدت في العاصمة من القائد الطاهر درغوث كامل العون والتدعيم أثناء تحملي معه توسيع وتطوير نشاط قسم التجوال في إقليم تونس وكنت دخيلا, نوعا ما ,على إقليم لم أعمل فيه من قبل ولكن ثقة القائد الطاهر ونصائحه وخصال القادة و الجوالة المنتمين لجمعية الكشافة الإسلامية التونسية في العاصمة سهلت عليا المهمة التي بدت لي صعبة في البداية. و لكني تمكنت من رفع الرهان بفضل معونة ناجعة لمجموعة من القادة الذين التفوا حولي وانسجموا معي أمثال الهادي التميمي و مصطفى كانون ومصطفى العلاني وعبد الستار العجمي والمنجي رزوقة وحسين الزغل ( الأخ الصغير للقائد حامد الزغل) ورؤوف الصنهاجي والتهامي الدخلية.... وغيرهم. وبلغ عدد فرق الجوالة في إقليم تونس والتابعين للكشافة الإسلامية التونسية في تلك الفترة ثمانية عشر فريقا سنة 1954. وكان الفريق الثامن عشر من أشهرهم ومن أنجعهم في المهام الدقيقة والمخاطر الصعبة.نظمت مع دورية القيادة التي كانت حولي عددا كبيرا من مخيمات التدريب في العطل المدرسية بمركز "بئر الباي" بالضاحية الجنوبية كما نظمنا عديد من الحصص التدريبية القصيرة لقادة ومساعدي قادة الفرق في راحة آخر الأسبوع بالخصوص في جبل "بوقرنين" وجبل " سيدي بوسعيد" أين حصل لنا حادث كاد يأتي بحياة القائد المنجي الرزوقة: إذ في عملية تدريب على الإنقاذ انزلق المنجي من أعلى الجبل نحو البحر على نحو عشرين مترا ولم تحميه من السقوط على صخور البحر إلا شجرة صغيرة وبقي في وضع خطير مدة ربع ساعة وقد طلبنا النجدة من مصلحة ألمطافي و في الأثناء حاولنا إنقاذه بربطه بالحبال وأقدم القائد مصطفى العلاني على عملية النزول والاقتراب منه وهو مربوط بحبال مجذوبة من طرف كافة الجوالة. وكان المنجي يصيح ألما من الكسور التي حدثت له. والحمد الله توفقنا قبل قدوم سيارة الحماية المدنية من رفعه إلى سطح الجبل و قمنا بالإسعافات الأولية ثم حمل إلى المستشفى وكانت الكسور خطيرة وبقي يعالج أشهر عديدة. بقيت هذه الفاجعة ثابتة في مخيلتي: ولو ألطاف الله لتحولت عملية تدريب على الإنقاذ إلى مصاب في أخ عزيز. في الفترة التي تحملت فيها قيادة قسم التجوال في إقليم تونس تحت أشراف قائد الإقليم الطاهر درغوث توفقت إلى تطوير نشاط كافة فرق الجوالة بالاقليم الذين كانوا يضمون مجتمعين حوالي ألف جوال. و بقيت لي ذكريات طيبة عن قادة هذه الفرق الذين قاموا بوجباتهم على أحسن وجه بإمكانيات جد متواضعة ولكن بحماس فياض وبتفاني وإخلاص متناهي للوطن. أتذكر منهم التهامي ماشطا ( وقد أصبح في ما بعد المسؤول عن سلاح الجو في وزارة الدفاع الوطني) و نورالدين المجدوب ( وقد أصبح سفرا ثم كاتب دولة في الخارجية) و روؤف الصنهاجي ( الذي اصبح رئيس مدير عام لشركة الأسمنت في تونس بعد تأميمها ثم ترأس مكتبا خاص للمحاسبات والتدقيق) وصلاح الدين المهبولي.. والتهامي دخلية..ومحمد صالح بوجلبية وعبد الستار العجمي ومحمد الصحراوي والقائمة طويلة والذاكرة عندي لا تحفظ الأسماء بقدر ما تحفظ ملامح الوجوه..... وكلهم كشافون مميزون خدموا تونس في صمت وبإخلاص متناهي متغذين بروح المواطنة العالية و مبتعدين عن إضاعة الوقت الثمين في السفاسف والسخافات ونابذين التكتلات المسترابة و السلوكيات المضرة بمصلحة الوطن. ولن ننسى يوم غرة جوان 1955 حيث كلفت من طرف الجمعية صحبة القائدة راضية بالخوجة بقيادة فريق الشرف المكون من فتيان و فتيات لاستقبال الزعيم الحبيب بورقيبة على رصيف ميناء مدينة حلق الواد يوم عوده المضفرة إلى ارض الوطن على الباخرة " مدينة الجزائر". وكان يوما مشهودا بحق وقلدت معي القائدة راضية بالخوجة « المجاهد الأكبر" بالمنديل الكشفي بمجرد نزوله من الباخرة، ذلك المنديل الذي تجول به رئيس الحزب كامل صباح اليوم التاريخي الذي التف حوله الشعب التونسي وبايعه بكل فئاته بتلقائية منقطعة النظير، وبقي نفس المنديل الكشفي في عنقه حتى بلغ منزله في "رحبة الغنم" " رحبة الزعيم" اليوم.كنت أملك دراجة نارية اشترتها بقرض للتنقل بسهولة من المعهد الثانوي بقرطاج- أين كنت أعمل كقيم- إلى معهد الدراسات العليا بتونس حيث أتابع دراستي في الحقوق والاقتصاد والتاريخ.فتمكنت هكذا -بعد استقبال الرئيس وهو ينزل من الباخرة وبعد الاستماع إلى الخطاب الذي ألقاه في قاعة كبرى أعددت خصيصا في الميناء_من مرافقة ركبه وأنا على الدراجة من نوع " لمبريتى" وذلك حتى أن وصل الركب إلى مدخل العاصمة. وكنت أشعر -وأنا وسط الجماهير و بعيدا عن كل ما كان يدور في الكواليس السياسية- بأن فجرا جديدا وعهدا جديد أنطلق منذ تلك اللحظات في تونس الخالدة...فجر الحرية...فجر الإنعتاق....فجر شعب قد أفتك مقومات نحت مصيره....كنت أشعر بأن بورقيبة الذي أكتسب شرعية قيادة الحركة التحريرية بتضحياته الجسيمة قد اكتسب من طرف شعبه يوم غرة جوان 1955 الشرعية التاريخية كرجل دولة مسبقا وقبل التعيينات الرسمية. وكنت أشعر بأن نظام الحماية ونظام "البايات" قد ولى وانتهى منذ تلك اللحظات التي بقيت حتى اليوم تهز مشاعري، كلما تذكرتها،وذلك بنفس القوة والعفوية وكأنها غريزية أو عاطفة صافية نقية لا دخل فيها للمنطق و لا للتنظير والتفلسف السياسي والتحاليل الأكاديمية. وخلافا لما ربما يتصوره البعض لم تكن في تصوري القضية تتعلق بالشخصنة ( و بداية ما يسمى بالفرنسية:le culte de la personnalité (إذ في تصوري يوم غرة جوان كان وسيبقى يوم فرحة الشعب التونسي الكبرى, يوم شعوره بتحرره من المستعمر قبل أن يكون يوم الانتصار النهائي للزعيم بورقيبة... وذلك بالرغم عن ملبسات الخلاف الخطير التي سيعكر صفو الأجواء في ما بعد. كان يوم غرة جوان يوم فرحة شعب لم تضاهها فرحته عند الإعلان الرسمي عن الاستقلال التام في 20 مارس 1956 و قد عشت كل تلك الأيام في العاصمة وساهمت في كافة التظاهرات الشعبية والشبابية وقارنت الأحاسيس والمشاعر والسلوكيات..... كان ذلك اليوم بالنسبة لي في حياتي الجامعية يوم امتحان في السنة الأولى من الإيجازة بعد نجاحي في السنة الماضية في شهادة السنة التحضيرية آداب عصرية ( Propédeutique : Certificat de littérature générale moderne ). وحاولت مع عدد من الطلبة الاتصال مسبقا بإدارة المعهد لتغيير تاريخ الامتحان ولكن لم أفلح. وخيرت التغيب عن الامتحان لأعيش مع الشعب يوما ,كنت من البداية, أشعر من الأعماق أنه سيكون وسيبقى على الإطلاق يوما تاريخيا على مدى العصور. وتقدمت إلى الامتحان في دورة سبتمبر ونجحت , فكانت في تلك السنة فرحتي مضاعفة.ولم يخامرني أي شك,مثل الأغلبية الساحقة لرفقائي الطلبة والكشافين, في سلامة المنهج المنطقي الذي توخاه بورقيبة في تلك الفترة الحاسمة. وكان أسف الجميع شديد لعدم توفق المجهودات المتعددة للتوفيق بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وكانت الأغلبية الساحقة للكشافين تساند منهج الزعيم الحبيب بورقيبة بقناعة قوية وعن روية ودراية وبعد تحليل سليم للأوضاع الداخلية والخارجية ولم تكن هذه المساندة نتيجة تبعية أو ولاء لشخص مهما كانت مكانته أونتيجة طاعة عمياء. وأول مؤتمر للحزب الحر الدستوري الجديد أشارك في افتتاحه كملاحظ كان مؤتمر صفاقس. وذلك ضمن وفد لجمعية الكشافة الإسلامية يتركب من مجموعة ستة من القادة منهم القائد العام عبد الله الزواغي وكان رئيسا للوفد ومحمد التريكي وآخرون لا أتذكر أسماءهم. انتقلنا إلى صفاقس من تونس على الساعة الرابعة صباحا على متن سيارة الجمعية، سيارة من نوع "لندروفر". وكنت أعمل كقيما بمعهد قرطاج وأتتني السيارة إلى المعهد حسب الاتفاق وكنت قد هرولت بسرعة كبيرة نحوها لما قدمت فانزلقت رجلي وسقطت على الأرض وأحست بألم كبير في ركبتي اليسرى لكني وقفت وركبت في السيارة وسلمت على الرفقاء وقضيت كامل السفرة و أنا أتوجع في صمت. وانتفخت ركبتي انتفاخا بسيطا وخفت أوجاعي برجلي عند دخولنا إلى فضاء جلسة الافتتاح. وجلسنا في الأماكن التي خصصت لنا وترأس الجلسة الأولى السيد علولو وهو من كبار مناضلي الحزب في صفاقس واستمعنا إلى كافة الكلمات ومنها كلمة للوزير المصري وزير الأوقاف الذي كان خطابه قابل للتـاوليلات بالنسبة للخلاف الذي نشب بين بورقيبة وصالح بن يوسف. و كان بدون منازع بالنسبة لنا -أعضاء الوفد الكشفي- خطاب بورقيبة خطابا منطقيا وموضوعيا وكأن " ديكارت يتكلم" والتقينا مع كافة مضامينه بصفة طبيعية و ذلك ما كنا ننتظره. وانتهى دورنا في جلسة الافتتاح التي كانت على غاية من حسن التنظيم وقفلنا راجعين إلى تونس مطمئنين على سير أعمال المؤتمر ما عدى القائد عبد الله الزواغي الذي واصل الإقامة بصفاقس و كانت له إنابة لمتابعة كافة أشغال المؤتمر وكانت له مشاركة جدية في صياغة اللائحة المتعلقة بالشباب. وستكون بالنسبة لي مشاركة ثانية في إفتاح أشغال مؤتمر للحزب الدستوري المنعقد بمدينة بنزرت الذي تغير فيه اسم الحزب وأصبح الحرب الاشتراكي الدستوري. وأقرت في هذا المؤتمر بكل دقة ضمن لوائح واضحة مبادئ وسبل تجسيم منهج تنموي أطلق عليه اسم "الاشتراكية الدستورية" ذات البعد الإنساني التحرري. وتعتمد تنمية البلاد حسب هذه المنهجية على مخططات إطارية توجيهية متتالية و في نطاق احترام كامل لتواجد وتعايش القطاعات الثلاث: القطاع العمومي والقطاع الخاص والقطاع التعاضدي. وكانت جل النخب والقواعد الحزبية العريضة،التي ساهمت بحماس في أشغال هذا المؤتمر الذي أسس لمنوال ذكي وملائم للتنمية البلاد بالنسبة لتلك الفترة،وكانت لوائح المؤتمر برية كل البرآة من الانحرافات التي ستحدث في ما بعد والتي تتحملها القيادة العليا للحزب بأكملها لا شخص واحد ذهب كبش الفداء لانزلاق خطير كان بالامكان تجنبه. إذ كان من البديهي أن اللجنة المركزية التي أقرت في ما بعد تعميم التعاضد لم تكن لها الصلاحيات لأخذ قرار في هذا الحجم من الخطورة يغير جوهر منوال التنمية في البلاد بدون الرجوع إلى القاعدة وعقد مؤتمر استثنائي.لم أكن عضوا في اللجنة المركزية في تلك الفترة وأقتصرنشاطي في الحرب في تلك الفترة الحاسمة في المشاركة في لجنة الدراسات الاقتصادية التي كانت تجتمع أسبوعيا في نهج رومة بالعاصمة وكان يشرف على نشاطها كل من أحمد ين صالح والهادي نويرة. وكنت أعتبر نشاطي في هذه اللجنة ليس بالعمل السياسي بل نشاطا فني و تقني. ولكني عندما أخذ قرار تعميم التعاضد الأحمق قمت صحبة زميلي مدير الميزانية في تلك الفترة المنصف بالحاج عمر بزيارة إلى خاصة إلى أحمد بن صالح وبينا له مخاطر القرار الاقتصادية والسياسية فأجابنا بلهجة بدت لنا صادقة أن القرار كان أساسا من طرف الرئيس الحبيب بورقيبة الذي قد قال له بالحرف الواحد" نسرع بهذا التعميم لأنكم لن تستطيعوا تحقيق مثل هذا الإصلاح العملاق إلا وأنا معكم على قيد الحياة". واندهشنا من هذا الجواب ومن عمق الانحراف بالنسبة لاختيارات مؤتمر بنزرت صاحب القرار. ولم نكن على علم بما جري في كواليس النظام ولا كواليس اللجنة المركزية وكنت مع زميلي بعيدا كل البعد عن العمل السياسي. كما لن أنسى الاستعراضات التي نظمناها في نطاق النشاط الكشفي في العاصمة في الليل والنهار وفي معلب "الشاذلي زويتن" للاحتفاء بعيد الاستقلال وعيد الشباب: كانت روعة وكانت نخوة واعتزاز لا يستطيع الإنسان التعبير عن ما كان يحركنا جميعا من عميق المشاعر... "كنا جماهير وكنا كالرجل الواحد".كنا نستنشق هواء الحرية لأول مرة في حياتنا. كنا عبيدا فأصبحنا أحرارا. وهو شعور يتغذى به و يرسخ بعمق كقيمه أساسية في نفوس جيل كامل من الشباب في حياة كل أمة تتحرر وتكسر القيود.وبالنسبة لتونس كان جيلي من الشباب قد ضحى وتألم ولكنه أصبح جيلا نفسانيا محضوضا لان نخوة الشعور بسعادة الحرية المكتسبة لا يماثله أي شعور آخر. ستة أشهر من العمل الدؤوب مع زعيم الشباب الثاني المناضل عزوز الرباعي بأول كتابة دولة للشباب والرياضة بعد الاعلان عن استقلال الوطن: الاسهام في توحيد الجمعيات الكشفية و ضع اللبنات الأولى لسياسة تأطير الشباب و المشاركة في المعسكر العربي الثاني بالاسكندرية.: ماي 1956 أكتوبر 1956. كنت أسمع الكثير عن خصال زعماء الحزب الحر الدستوري في نهاية أربعينيات القرن العشرين مثل العديد من شبان المهدية و تلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس و في مقدمتهم كان بالطبع الحبيب بورقيبة و صالح بن يوسف وكذلك المنجي سليم و على بلهوان و تلميذه وخليفته في زعامة الشباب المناضل والخطيب الموهوب عزوز الرباعي. أتذكر مليا أول لقاء جمعني بالمرحوم سي عزوز وكان ذلك بمدينة المهدية في صيف سنة 1950. وقد قدم عزوز الرباعي موفودا من الحزب أياما قليلة قبل زيارة رئيس الحزب الحبيب بورقية إلى جهة المهدية للتأكد من الترتبات المتخذة من طرف شعبة المهدية لانجاح الجولة التعبوية الكبيرة التي قام بها المجاهد الأكبر طيلة حوالي أسبوع وهو يقيم في مدينة المهدية بشقة موجودة في الشارع الذي يحمل اليوم اسمه كانت على ملك الطيب ساسي. و بعد اليوم الأول الذي خصصه لمدينة المهدية تجول الزعيم الحبيب برقيبة إنطلاقا من مقره في المهدية في مختلف مدن و قرى الجهة....قصور الساف , الشابة, اللجم, السوسي, شربان..... وكانت من الزيارات التارخية الكبرى الناجحة التي جسمت منهجية الاتصال المباشر بالشعب..قدمني إلى عزوز الرباعي قائد فوج الكشافة الاسلامية التونسية المرحوم ساسي رجب و كنت في تلك الفترة قد كلفت بقيادة فريق الجوالة التابع للفوج والذي كان يحمل اسم والدي " الطاهر صفر" وهو الفريق الذي أوكلت له مهمة مرافقة المجاهد الأكبر في جولته بالجهة . قبلني سي عزوز بحرارة كبيرة وقال لي بنبرة بدت لي صادقة : "الله يرحم سي الطاهر فيلسوفنا الكبير...خسرناه....إنشاء الله تخلفه....". كان الرجل يتقد حماسا وله قدرة كبيرة على تمرير حماسه إلى مستمعيه.. وسرعان ما تحول الحديث إلى جوهر الموضوع إنجاح زيارة المجاهد الاكبر..... إنطلقت احداث المرحلة الحاسمة بداية من 18 جانفي 1952 وعلمت كبقية رفقائي بالاعتقالات الممتتالية للزعماء والتي طالت مع آلاف المناضلين الدستوريين سي عزوز...ولم ألتقي به من جديد إلا بعد قدوم "مادس فرنس" إلى تونس وخطابه الشهير أمام الباي..وكان ذلك اللقاء الثاني في مكتب القائد العام لجمعية الكشافة الاسلامية التونسية المرحوم عبد الله الزواغي بنهج بوخريص في العاصمة...كنت أعمل كقيم بمعهد " كارنو" و أواصل دراستي في القانون والاقتصاد والتاريخ بمعهد الدراسات العايا متحملا في المنظمة الكشفية مسوؤليتان: كنت عضوا في دورية تحرير مجلة "السبيل" مع عدد من القادة منهم المرحوم الهادي التميمي و القائدة لقسم الفتيات راضية بلخوجة و برئاسة التيجاني الكتاري قائد قسم التجوال. و كنت مسؤولا في نفس الوقت عن دورية قسم التجوال في إقليم تونس الذي كان يقوده بإقتدار و بمثالية نادرة المرحوم الطاهر درغوت... كان الحديث مع الأخ عزوز في هذا اللقاء الثاني مركزا على مستقبل حركات الشباب ودورها الطلائعي في تونس الجديدة المتحررة التي بدأنا نستشرف آفاقها....و تناول الحديث بالطبع ضرورة تجسيم في أول مناسبة حلم جل الكشافين: توحيد الجمعيات الذي سعى إليه المرحوم المنجي بالي و رفاقه منذ الأربعينيات بدون نجاح لان السلط الاستعمارية كانت دوما تعمل لاخفاقه....بعد هذا اللقاء الثاني كانت لي مع سي عزوز لقاءات عديدة خصوصا بمناسبة دعوته لالقاء محاضرات في التربية الوطنية و في تاريخ الحركة الوطنية بمناسبة تنظيم ملتقيات تدريب قادة الجوالة لاقليم تونس في مركز بئر الباي.... كانت دورية مجلة السبيل مركزة في عملها أساسا على النشاط الكشفي ولكنها كانت تتابع كجل التونسيين تطور الأحداث المتسارعة في البلاد... وقبل إنتهاء المفاوضات التي أدت إلى الاستقلال التام للوطن أصدرنا عددا مميزا لمجلة السبيل مخصص للبحث في أفضل السبل والمناهج لتأطير و إعداد الشبات حتى يتحلى بضفات المواطن الصالح لمواجهة تحديات البناء والتقدم بالمجتمع و في مقال من مقالات هذا العدد أبرزنا بحروف كبيرة إننا " نطالب ببعث كتابة دولة للشباب" تعوض المصلحة التي كانت في تلك الفترة تهتم بشؤون الشباب والرياضة و كان يشرف عليها الفرنسي " بو رنيكال" المنبوذ من جل المنخرطين في منظمات الشباب. و أعلمني القائد العام عبد الله الزواغي بعد صدور هذا العدد أن عضوا من الديوان السياسي للحزب- لم يرد ذكر اسمه- قد عاتبه عن لهجة المقال و عن طريقة " المطالبة" التي يعتبرها سابقة غير صالحة....ولكن سررنا عند تشكيل الوزارة الأولى بعد الاعلان عن الاستقلال في أفريل 1956 بتلبية مقترحنا من طرف الزعيم الحبيب بورقيبة و قد بعثت فعلا إلى جانب مختلف الوزارات أول كتابة دولة للشباب والرياضة وعين على رأسها المناضل عزوز الرباعي. وكان جل المنخرطين في جمعيتنا الكشفية التي كنت متصلا بهم في تلك الفترة قد رحبوا بذلك الاختيار و رأو فيه حقا تجسيم تلك الكلمة المعروفة: "الرجل المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب" و يرجع كل ذلك للخصال و للشعبية التي كان المرحوم معزوز الرباعي يحضى بها لدى شرائح عديدة من الشباب التونسي. طلب مني سي عزوز بمجرد تقلده مسؤوليته الجديدة أن أتصل به و كان ذلك عن طريق القائد العام عبد الله الزواغي. ولما دخلت إلى مكتبه وجدت معه السيد حسيب بن عمار والسيد هنية وكنت لا أعرفهما من قبل فبادر سي عزوز بتقديمهم و بتعداد خصالهم و أضاف :" قد وافق بعد سي حسيب أن يعينني بصفته مندوب عام للرياضة و وافق سي هنية بأن يلحق بكتابة الدولة الجديدة ليتحمل مسؤولية الادارة المالية و شؤون الموظفين والعملة أما انت فأكون سعيدا إذا كنت مستعد للالتحاق بنا لتتحمل معنا مسؤولية المندوب العام للشباب حتى تكتمل النواة الاولى من الفريق الذي سيعاضدني في هذا المسؤولية التي أقدر جسامتها.." كان سي عزوز يخاطبني بكل لطف و كأنه الأخ الكبير ولم يغريه " التوزير" ولم يغير شيئا من تواضعه العفوي.و اسلوبه الحميمي في التخاطب...طلبت منه أن يفسر لي ما كان ينتظر مني أن افعل في الاشهر الأولى... فوضع سي عزوز في المقدمة إعادة هيكلة مركز التكوين بئر الباي بالضاحية الجنوبية للعاصمة والتركيز على العمل للاستجابة لحاجيات انتشار و توسع نشاط مختلف منظمات الشباب من كشافة و مصائف و مضائف و شبيبة مدرسية و شباب دستوري ملحا على ضرورة تكثيف التشاور مع المسؤولين على هذه المنظمات والاصغاء إلى مقترحاتهم قبل إعداد برنامج عمل كتابة الدولة. شكرت سي عزوز على الثقة التي وضعها في شخصي بالرغم من قلة خبرتي وصغر سني وقلت له هنالك قادة في الكشافة أكثر مني تجربة و كفاءة مثل القائد عبد الله والقادة التيجاني الكتاري و توفيق السلامي و الهادي السافي والهادي التميمي وغيرهم كثر والحمد الله. وأضفت إني أعمل الآن كقيم و لم تكتمل بعد دراستي و أنا عازم على استكمال الايجازة في الحقوق والاقتصاد وفي التاريخ.. فقال سي عزوز : " القائد عبد الله هو اول من فكرت فيه ولكنه أقنعني أنه في هذه المرحلة يفيد أكثر على رأس أكبر جمعية كشفية.. اما تيجاني الكتاري و توفيق السلامي فتنظرهما مسؤوليات هامة في الأمن و أما الهادي السافي فقد فكرت فيه لادارة ذلك المركز المحوري, مركز "بئر الباى" وأنت تعرف جيدا أهمية هذا المركز و ستجد من سي الهادي السافي كل الدعم والنصح في خطتك إذا قبلت المسؤولية."...و أضاف سي عزوز:" قد لحظت جيدا عملك الجاد في السنة الماضية في إقليم تونس التابع للكشافة الاسلامية التونسية..فلا تنقص من كفائتك ونحن في حاجة إلى جديتك في هذه المرحلة الأولى..و أما دراستك العليا فستكون في وضع سي حسيب إذ أنه ايضا لم يكمل دراسته و بقيت له سنة سيواصلها بالتوازي مع تحمله المسؤولية..و اني مستعد لتمكينك من حضور الدروس التي يتعين عليك حضورها حتى في أوقات العمل..." شكرت سي عزوز و قبلت بكل اعتزاز المسؤولية مذكرا سي عزوز بضرورة الانطلاق الفوري في الاعداد لتوحيد الجمعيات الكشفية و كان جوابه واضحا بدون لبس : " أنت تعرف مدى تحمسي لفكرة التوحيد..فالتكن مهمتك الأولى توحيد الحركة الكشفية و بادر بالحديث مع كافة المسؤولين على الجمعيات...هكذا كانت انطلاقة العمل مع سي عزوز....لم تطل المدة ولكن كانت ستة أشهر كلها عمل دؤوب و منجزات ثابتة...أستسمحكم استحضار البعض منها على سبيل المثال... قد مت استقلاتي من مهمة قيم و التحقت بكتابة الدولة الفتية بداية من غرة ماي 1956 وأخذت مكتبي في البناية المحترمة المتواجدة في شارع باريس والتي تمكن المرحوم عزوز الرباعي من الضفر بها عوضا عن مقر المصلحة الاستعمارية للشباب التي كانت في نهج سيدي بة منديل... ومكنتني فعلا هذه المهمة من الإسهام الفاعل مع عدد من القادة و في مقدمتهم القائد عبد الله الزواغي من تحقيق ما كنا نصبو إليه من توحيد لكافة الجمعيات الكشفية التونسية وهي أربع جمعيات: كشاف الرجاء , كشاف تونس ,الاتحاد الكشافي الإسلامي والكشافة الإسلامية التونسية. وكانت بدون منازع الكشافة الإسلامية التونسية أكبر جمعية من حيث عدد المنخرطين والإشعاع والتواجد في مختلف مدن البلاد والاسهام في المرحلة الحاسمة لتحرير تونس.كنت أتصور وأعتقد أن منظمة كشفية عتيدة ومستقلة عن الأحزاب السياسية سيكون لها دور كبير ومصيري لإعداد أطفالنا و شبابنا حتى يكونوا المواطنين النموذجيين لبناء مستقبل مشرق لوطننا. مؤتمر الوحدة الكشفية التونسية: منظر من الجلسة العامة في قاعة مقر كتابة الدولة للشباب والرياضة بشارع الحرية يوم غرة جويلية 1956 إفتتح الجلسة السيد عزوز الرباعي. هذه صورة للمشاركين المبتسمين في الجلسة العامة للمؤتمر التوحيدي للجمعيات الكشفية التونسية يوم غرة جويلية 1956 في القاعة الكبرى للاجتماعات بمقر أول كتابة دولة للشباب والرياضة. ولا تظهر في الصورة المنصة التي تواجد فوقها المشرفون على الجلسة يتقدمهم المنضال عزوز الرباعي- أول وكيل كاتب دولة للشباب والرياضة في أول حكومة تونسية بعد إمضاء إتفاقية الاستقلال- وهو الذي افتتح المؤتمر وأعطى توصيات الحكومة وتصوراتها المستقبلية لدفع حركات تـاطير وتكوين الشباب لاعداده حتى يكون مواطنا صالحا فاعلا في المجتمع ثم غادر السيد عزوز الرباعي القاعة تاركا للمؤتمرين كامل الحرية للقول الفصل لتجسيم عملية التوحيد التي تمت في اجواء أخوية منعشة. أول مشاركة كشفية تونسية رسمية في ملتقى كشفي عربي كبير بمصر في ضا حية مدينة الاسكندرية: أبو قير. هذا وكنت قد كلفت بمجرد الانتهاء من عملية توحيد الحركة الكشفية بقيادة أول مشاركة لجمعية الكشافة التونسية في المعسكر الكشفي العربي الثاني "بأبوقير" في ضاحية مدينة الإسكندرية المصرية في جولية 1956. { كلمة "معسكر" تستعمل في الشرق في الوقت الذي كنا في تونس نستعمل مصطلح أكثر ملائمة : الملتقى الكشفي} وكان الوفد الكشفي التونسي أول وفد يصل المعسكر على متن حافلتين انطلقتا من تونس العاصمة عبر التراب الليبي وقد دشن هذا المعسكر الكشفي العربي الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه اسبوعا بعد إنطلاق اشغاله وألقيت كلمة تونس أمامه بعد أن أحرز الوفد التونسي على نجاح مرموق خاصة أثناء الاستعراض الرسمي لجميع الفرق المشاركة وقد حضر هذا الاستعراض السيد عزوز الرباعي بصفته كاتب دولة للشباب في الحكومة التونسية مع عدد من وزراء الشباب في الدول العربية المشاركة. وكان الجو غير ملائم بالنسبة إلى صورة تونس في تلك الفترة في مصر و في عدد من الدول العربية من جراء الدعاية اليوسوفية التي قدمت معطيات مغلوطة عن الأوضاع في تونس. و كان السيد الصادق المقدم أول سفير لتونس المستقلة بالقاهرة قد وصل إلى القاهرة منذ اسابيع و لا يزال يسكن في النزل في انتظار اعداد مقر السفارة و كانت الصحافة المصرية غير منصفة في تعليقاتها على ما يدور في تونس حتى أني اتذكر أننا اقتنينا مجلة مصرية اجرت حديثا مطولا مع الصادق المقدم تناول جل مواضيع الساعة ولكن اختارت المجلة ابراز في صفحتها الأولى بتهكم جواب للسفير عن سؤآل هامشي يتعلق بالطعام المفضل للسفير فكتبت بحروف بارزة ' السفير التونسي يحب الملوخية بالافراخ"....هذا يعطي فكرة عن الجو الذي واجهه بكل حنكة و اقتدار كل من المناضل عزوز الباعي بصفته الرسمية ككاتب دولة للشاب سواءا في لقاءه مع الرئيس عبد الناصر او مع نظيره المصري أو مع زملائه في الدول العربية المشاركة في الملتقى...كما واجه هذا الجو بذكاء كبير و بلباقة كافة الكشافة و الجوالة التونسيون الذين كانوا بتلقائية وبغيرة فائق على وطنهم يطيلون الحديث الهادي والموضوعي مع الكشافين العرب حتى تغيرت الصورة عن تونس في آخر مدة الملتقى و كان للنشاط الكشفي المكثف و المثالي الأثر الكبير لتغيير نظرة كافة المشاركين إلى تونس من خلال سلوك أبنائها و شبابها الكشفي إلى درجة أن في آخر الملتقى تقرر أن ينظم المعسكر الكشفي العربي الموالي أي المعسكر العري الثالث في تونس العربية المسلمة. وقد استعنت لاعداد ولانجاح المشاركة التونسية في هذا اللقاء الكشفي العربي الكبير - بصفتي قائد عام لكامل البعثة التونسية - بالخصوص بالقادة المقتدرين الأجلاء: الهادي التميمي( كان قائد فريق الجوالة في البعثة) ومحمد الشاوش( كان قائد الفرقة الكشفية بمساعدة القائد الطيب نويرة) وعبد العزيز التريكي( أمين مال البعثة) وساسي رجب( المسؤول عن العمل التطبيقي الالكتروني) والقائدة راضية بالخوجة (المسؤولة عن فرقة الفتيات بالبعثة التونسية) . كان المناضل الصادق المقدم في تلك الفترة يتحمل مهام أول سفير لتونس المستقلة في القاهرة وكان يوم قدومنا الى مصر لا يزال يقيم بالنزل في انتظار إعداد دارإقامة السفارة التونسية. 2 أنموذج من بطاقة بعثة الكشافة التونسية إلي المعسكر الكشفي العربي الثاني صيف 1956 صورة لمدخل( منارة مصغرة لجامع القيروان صنعناها من الخشب ) مخيم البعثة الكشفية التونسية في معسكر أبوقير بالاسكندرية جولية 1956 قمنا بإعداد جيد ومنتقن للمشاركة في هذا الملتقى العربي بدأ بحسن اختيار القادة وكافة أعضاء البعثة ثم بتنظيم مخيم تمهيدي بمركز "بئر الباي" وأشرفت بنفسي على كافة الترتيبات قبل السفر الذي سخرت له الحافلتان التي كانت ورثتهما كتابة الدولة للشباب والرياضة عن مصلحة الشباب والرياضة في عهد الاستعمار واستعرت من وزارة الفلاحة - بمساندة من القائد التيجاني الكتاري الذي كان وقتها يعمل بها كمهندس رئيس مصلحة- شاحنة كبرى من نوع مرسديس خصصت لحمل الأجهزة والأمتعة. وسخرت سيارة الجمعية الكشفية من نوع لندروفر واستعرت من مصلحة الصناعات التقليدية "خيمة شعر" كبيرة للاستقبلات مع كافة اللوازم من زرابي ومقاعد و موائد من الصناعة التقليدية التونسية بالإضافة إلى صنع مدخل من الخشب يمثل منارة جامع القيروان المعمور. واحطياطا من حرارة الشمس في مصر اخترت لكافة أعضاء البعثة " المضلة القابسية" الجيدة الصنع وجهزت كافة أعضاء الوفد بفراش فردي من نوع جديد خفيف الحمل إطاره مكون من الاليمينيوم الذي يطوى بسهولة ويجد فيه الإنسان الراحة الكافية لنوم هادي يسترجع به قواه.انطلقنا من العاصمة وكانت المحطة الأولى بقابس ثم كانت المحطة الثانية بطرابلس أين استقبلنا بحرارة كبيرة مع حسن الضيافة القائد العام للكشافة الليبية علي خليفة الزائدي مصحوبا بكوكبة من القادة الأشقاء. قضينا ليلة بطرابلس تبادلنا فيها الآراء مع قادة الكشافة الليبية حول تطوير المناهج التربوية الكشفية على ضوء مقتضيات المراحل الجديدة التي تعيشها الدول العربية. وكانت المحطة الثالثة بمدينة بنغازي أين استقبلنا بحفاوة وترحاب من طرف كوكبة من الأساتذة الجامعيين كانت لنا معهم في الليل مسامرات وحوارات مفيدة حول النظام التربوي والجامعي الليبي وحول المستقبل المشترك للمغرب العربي وسبل عمل الحركات الشبابية للاسهام في بناءه.قصر إقامتنا بليبيا لم يمكنتا من التعرف بعمق عن تركيبة المجتمع الليبي وعن الوضعالحقيقي في البلاد وكانت الكشافة الليبية في تلك الفترة نخبوية فلم نتعرف على مختلف شراءح المجتمع.وكانت المحطة الرابعة من الرحلة صعبة نوعا ما: إذ وصلنا إلى الحدود المصرية ( مرسى المطروح )مع غروب الشمس ولم نجد أحدا من ممثلي الكشافة المصرية في انتظارنا وقال لنا عون القمارق المصري إن مكاتب مصلحة عبور الحدود قد أغلقت منذ ساعة ولا يمكن القيام بالاجرآت القمروقية إلا في صباح الغد. ولم يبقى لنا أي خيار إلا النوم جالسين على المقاعد في الحافلات مع أكل لمجة خفيفة... واجهنا طبعا هذا الوضع بتبادل النكت وبالأناشيد حتى رمنا إلى النوم. وفي الصباح طلبت مقابلة رئيس المركز فوجدته خالي العلم بقدوم الوفد التونسي ولكنه خاطب بالهاتف رؤسائه بالقاهرة وأعطوه فورا التعليمات للسماح لنا بالدخول الى التراب المصري والتوجه مباشرة الى مقر المعسكر بأبوقير على أن يقع النظر في جوازات السفر في ما بعد في مصالح الإسكندرية بعد أن نستقر في المعسكر. وانطلقت القافلة إلى مقر المخيم الذي كان غير بعيد عن شاطي البحر. وكان الوفد التونسي من أول الوفود التي كانت قد أتت إلى مقر المخيم في الموعد المحدد. نزلت من السيارة وطلبت من الزملاء القادة الإشراف على عملية إنزال الجرابات من فوق الحافلات حتى نستعد للدخول مصطفين منشدين كل منا حاملا جرابه على ظهره. ودخلت المعسكر طالبا من الحراس تمكيني من مقابلة قائد المعسكر او من ينوب عنه. رافقني أحد الحراس الى مكتب قائد المعسكر الذي رحب بي ودعاني مباشرة إلى التعرف على المكان الذي خصص للوفد التونسي. واصطحبته وسرنا مترجلين حتى بلغنا آخر تقسيم في الأرض التي خصصت للمعسكر وقال لي القائد المصري وقد نسيت اسمه : هذا هو المكان الذي خصص لكم... فكان جوابي ورد فعلي كالبرق:" هذا غير معقول.....الوفد التونسي ينضبط ويأتيكم من بعيد برا محترما الأوقات الرسمية....وتحشرونه في آخر مكان في المعسكر...فهذا غير معقول....قدومنا في الوقت المحدد يعطينا منطقيا حق اختيار المكان الذي يتماشى مع حجم الوفد وعتاده.." وقفلت راجعا مسرعا نحو الحافلات والقائد المصري يهرول وراءى محاولا تفسير نظام المعسكر وطريق توسيع التقاسيم..حتى وصلنا الى الحافلات التونسية. وجدت الجرابات قد أنزلت من فوق الحافلات فصحت : " أرجعوا الأمتعة فوق الحافلات نحن عائدون.." فأقترب مني القائد المصري وهمس في اذني: " ما تزعلش يا أستاذ. أقترح عليك أن نتجول في المعسكر مع زملائك قادة البعثة واختاروا المكان الذي يرضيكم.." فأجبته بسوط عالي حتى يسمعني الجميع:" على هذا الأساس أهلا وسهلا نشكرك على هذا الاقتراح العادل " وطلبت من القائد الهادي التميمي ومن القائد أحمد الشاوش أن يصطحبوا القائد المصري وأن يختاروا المكان الذي يتلاءم أكثر مع تركيبة الوفد والأمتعة التي أتينا بها. وبعد برهة قصيرة عاد القائد التميمي وقال لنا: اخترنا أول مكان لتركيز المخيم في مدخل المعسكر على اليمين. إقترحت على القائد العام المصري ليحضر معنا تحية العلم التونسي الذي سنعمل على رفعه صباح الغد في الوقت الرسمي المخصص مسبقا لافتتاح المعسكر وإستجاب للمقترح. وصاح الكاشفون والجوالة صيحة الاستحسان مردين :" مرحى..مرحى..بارك لله فيك..." وأسرع الجميع كخلية النحل...يقوم كل فرد بالعمل الذي يتعين القيام به. وبرهن كافة القادة الذين اصطحبوني وشاركوني في تأطير البعثة و كذلك كافة أعضاء البعثة بكفاءة عالية و في جو منعش من البهجة والفرح والجد في العمل حتى إني أكاد أقول أني -في هذا الملتقى العربي الهام الذي نشارك فيه لأول مرة كدولة مستقلة- لم أبدي طيلة إقامتنا بالمعسكر أي ملاحظة تذكر وكانت الأنشطة -التي نتفق عليها في كل مساء في الاجتماع الذي أترئسه لتقييم النشاط اليومي وضبط نشاط اليوم الموالي- تتم على أحسن ما يرام وبامتياز بارز للجميع سواء كانوا مشاركين في المعسكر أو زوار وضيوف. وبقيت في ذاكرتي أن هذا المخيم كان من أنجح المخيمات التي كان لي شرف تسييرها والفضل يرجع أساسا للقادة الذين كانوا حولي وللإعداد المسبق الجيد ولشعور جميع أفراد البعثة بأن لهم رهان لابد من كسبه في فترة تاريخية من أعز فترات تاريخ بلادنا أمام الأشقاء العرب الذين كانوا لا يعرفون إلا القليل على تونس وكان البعض يحمل معلومات مغلوطة و ملوثة بالدعايات السياسية الرذيلة. كانت مصر تعيش في سنة 1956 أوج شعبية نظام جمال عبد الناصر وكان شهر جويلية 1956 شهر الخطاب الشهير الذي أعلن فيه الرئيس المصري تأميم القناة متحديا الدول الغربية ومستكملا إعادة الشعور بالكرامة لكافة المصريين وكذلك للشعوب العربية. وزار عبد الناصر المعسكر الكشفي بالإسكندرية اسبوعا بعد إنطلاق أشغاله وأستمع من كافة قادة البعثات العربية المشاركة في المعسكر إلى كلمات وجيزة ولما أتى دوري ارتجلت كلمة قصيرة أبلغته فيها بالخصوص:" أننا أتينا للاسكندرية بتحيات وتقدير وشكر الشعب التونسي و الزعيم العربي الأصيل الحبيب بورقيبة أول رئيس حكومة تونس المستقلة منذ 20 مارس 1956.وأضفت لنا قناعات كبيرة أن السنوات القادمة ستكشف للجميع مدى تعلق الزعيم بورقيبة والشعب التونسي بالاسهام الجدي في بناء الوحدة العربية بمرحلية وعلى أسس سليمة وعملية على غرار منهجية الدول الأوروبية التي أبرمت سنة 1955إتفاقية رومة للانطلاق في بناء سوقها المشتركة و حدتها الاقتصادية التي تمثل العمود الفقري والاساسي للوحدة السياسية الثابة" .وتفاجأ الرئيس عبد الناصر بمحتوى كلمتي التي خرجت نوعا ما عن البروتكول الذي اوصى به قائد المعسكر المصري وشكرني عبد الناصر مصا فحا بحرارة مع ابتسامة كبيرة وقال :" بلغوا الزعيم السيد بورقيبة رئيس حكومتكم تجديد أحر تهانيا وتمنياتنا بنجاح تونس في مسارها الجديد..". في الصورة إلى جانب السيارة التي وضعتها السلطة المصرية على ذمة رئيس الوفد الرسمي التونسي السيد عزوز الرباعي ثلث من قادة الوفد التونسي للقاء الكشفي العربي الكبير في مدينة الاسكندرية في شهر جويلية 1956 ويظهر في الصورة الجالسون من اليمين إلى اليسار القائد عبد المجيد عطية ثم القائد.......والقائد عبد العزيز التريكي. الصف الثاني وقوفا مرافق الوفد قائد كشفي مصري ثم السيد عزوز الرباعي رئيس الوفد الرسمي ثم مسؤول كشفي مصري ثم القائد العام للكشافة التونسية عبد الله الزواغي ورئيس الوفد إلى المؤتمر الكشفي العربي ثم القائد.........وأخيرا القائد رشيد صفر قائد الوفد الكشفي للمعسكر الكشفي العربي وبيده حقيبة الوثائق الرسمية للبعثة وجواز السفر الجماعي لكافة أفرد البعثة التونسية. وشاركت في صيف 1957 ضمن وفد تونسي - متركب من محمد إدريس ممثلا عن الشبيبة الدستورية{ أصبح رجل أعمال معروف في سوسة خاصة في الميدان السياحي} وتوفيق عبد المولى{ أصبح رجل أعمال} ممثلا عن الشبيبة المدرسية و كنت ممثلا عن الكشافة التونسية - في مؤتمر دولي لحركة عالمية تدعى "حركة التسلح الأخلاقي"(Mouvement du Réarmement Moral) وتهدف ظاهريا حسب وثائقها أنها تعمل من أجل التقارب بين الشعوب وترسيخ القيم الأخلاقية في العلاقات بين الدول وانتظم المؤتمر بجزيرة "ماكناك إزلند" Ile de Mackinacوهي جزيرة في البحيرات الكبرى التي توجد في الحدود الفاصلة بين دولة كندا والولايات المتحدة الأمريكية والجزيرة تقع ببحيرة " هيرون" lac Huron وكان يترأس في تلك الفترة هذه الحركة الفكرية مؤسسها الدكتور "بوكمام" ( Dr Buchman) وهو أمركي الجنسية توفي سنة 1961.ولكن يبدو أن هذه الحركة التي كانت أساسا تحاول إيجاد بديل للاديولوجية الشوعية يكون قادرا على بناء عالم يسوده الاخاء والتعاون والسلم وكانت مناهجها مبنية على نوع من الهشاشة فلم تعمر طويلا بعد موت مؤسسها.وإهتمت حركة التسلح الأخلاقي سنة 1957 بالخصوص بالدول الإفريقية التي استقلت أو بصدد الاستعداد للتحصيل على استقلالها. وفعلا وجد الوفد التونسي نفسه في جزيرة "ماكناك" مع عدد هام من الأفارقة الدين سيتحملون في ما بعد مسؤوليات عليا في بلدانهم وخاصة في الكامرون ونيجيريا وكينيا..وقد ركزت الحركة على محاولة تصور للتعاون بين البيض والسود لبناء "مستقبل إفريقية" ما بعد الاستعمار.لم يكن للوفد التونسي أي تعليمات لا من المنظمات الشبابية المنتمين إليها ولا من وزارة الخارجية التونسية التي طلبت و شجعت على المشاركة في المؤتمر. وكان سفير تونس في الولايات المتحدة الزعيم المنجي سليم قد استقبلنا في السفارة واصطحبنا في سيارته من مدينة واشطرن إلى مدينة نيويورك أين وجدنا الطائرة التي نقلتنا إلى مدينة ديترو. ولم يمدنا المنجي سليم لا بتعليمات ولا بتوصيات في ما يتعلق بمساهمتنا في المؤتمر فتصرفنا بكل حرية وأجتهد كل منا وكانت مداخلاتنا متكاملة وابرزت نوع من التوافق التونسي بالنسبة للوفود الافريقة الأخرى التي لم تكن مشاركتها ناشطة. وكنا نشعر من خلال شبه صمت الوفود الإفريقية أنها كانت أتت لتتعلم أهداف الحركة وسبل نشرها في أقطارها في الوقت التي قام الوفد التونسي بواجب النقاش والإشارة إلى نقط ضعف مناهج الحركة وتركها جانبا القضايا الأساسية المتصلة بسبل تنمية حقيقية للدول الإفريقية بعد سلب ثرواتها من طرف الاستعمار.وقد تناول الوفد التونسي بالخصوص ضرورة تبني المنتظم الدولي برنامجا تنموي خاص بالدول التي تحصلت على استقلالها. و وضحنا أنه يتعين على البرنامج إعطاء أولوية قصوى لإعداد وتكوين القوى البشرية مع توفير تمويل للتنمية بشروط ميسرة يستوحى من برنامج "مارشال" الذي مكن الدول الأوروبية إعادة بناء اقتصادها بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت لي شخصيا ثلاث تدخلات في هذا الاتجاه نالت بالطبع استحسان عدد من الوفود وأحرجت منظمي المؤتمر وبالخصوص الدكتور" بوكمان " الذي كان حاضرا في الجلسات العامة التي أخذت فيها الكلمة وتحمست في تدخلي الأول مشيرا بإنتقاد إلى عدم مشاركتنا في اجتماع علمنا به من طرف بعض المشاركين و كان يعقد مبكرا كل صباح لتقييم نشاط اليوم السابق وأخذ التدابير بالنسبة لتوجيه أشغال المؤتمر. وبينت أن مثل هذا التوجه يفقد المنهج الديمقراطي والشفافية الذي تتدعي الحركة في وثاءقها الموزعة علينا أنها حريصة كل الحرص على إتابعها. وبعد هذا التدخل وقع استدعاء كافة المشاركين لحضور بالتداول والاسهام في أعمال ومناقشات الجلسة الصباحية التي كانت تبدو للبعض بشبه الجلسات السرية وهكذا تمكن الوفد التونسي من إنتقاد منهجية عمل الحركة وأهدافه وتقديم مقترحات تتعلق بالخصوص بالمنظومة العالمية المالية التي يتعين إصلاحها وتطويرها حتى تتمكن الدول المستقلة حديثا من تحقيق تنمية سليمة ومتوازنة بدون أن تغرق في التداين الخارجي...ولكن لم تتبنى الحركة مثل هذه الاقتراحات لان أهدافها الحقيية كانت البحث عن سبل الهيمنة على الدول ولم ترم على الدفاع عن سبل تحقيق تكافء الفرص لتسهيل تنمية عادلة في الدول المتخلفة من جراء الاستعمار. وخرجنا من المؤتمر بخيبة أمل...أكدتها في السنوات القادمة تلاشي الحركة..أعلمت بكل التفاصيل القاءد العام للكشافة التونسية عبد الله الزواغي بعد عودتي على تونس ناصحا بأن لا تضيع المنظمة الكشفية التونسية وقتها مع مثل هذه الحركة..... وانضممت كذلك في سنة 1957 إلى عضوية الهيئة العليا للشبيبة الدستورية بطلب من رئيسها الأستاذ محمود المعموري وعهد إلي المساهمة في تكوين إطارات الشبيبة الدستورية وكان من بين أعضاء الهيئة في تلك الفترة بالخصوص كل من المرحوم المناضل محمد صالح بلحاج وصالح لدغم ( شقيق الباهي لدغم). وأشرفت في عطلة ربيع 1957 على الحلقة التدريبية التي انتظمت بفرع المدرسة الصاديقية "خزندار" واختتم هذه الدورة الأمين العام للحزب الباهي لدغم. وتعهدت القيام بعدد من الدروس والمحاضرات وذلك بالتنقل أيام الأحد من كل أسبوع إلى مدرسة تكوين الإطارات ببلدة عين دراهم في مبنى مضائف الشباب. صورة للدكتور بوكمام مؤسس الحركة العالمية للتسلح الأخلاقي التي شاركت في أحد مؤتمراتها في صيف 1957 بجزيرة ماكناك إزلاد بالولايات المتحدة الأميركية كممثل للكشافة التونسية. ديسنبر 1957 في شارع الحبيب برقييبة رشيد صفر و وإبنة عمعه و خطيبته وحيدة صفر في تجول وحديث عن المستقبل. هذه صورة لأول بعثة تونسية للتكوهين في باريس من إطارات شابة لوزارة البريد يرافقها لمطار تونس الوزير المرحوم محمود الخياري: كان ذلك في شهر اكتوبر 1956 و توجد على الصورة من اليمين الى اليسار بالنسبة للشابات الآنسة وحيدة صفر ـ ستصبح زوجتي سنة 1958- والآنسة رملة الحداد والآنسة جليلة بن يوسف. تلت هذه البعثة بعثات أخرى في الدفاع والمالية والقمارق بالخصوص لسد الحاجات المتأكدة للإدارة التونسية الفتية التي حاولت السلط الفرنسية في بداية الاستقلال تعجيزها بمختلف الوسائل. استكملت تعليمي العالي بباريس في فرنسا بالمدرسة التطبيقية الوطنية للأداءات التابعة لوزارة المالية والاقتصاد الفرنسية و كذالك في كلية السربون من أكتوبر 1958 إلى سبتمبر 1959. وانقطعت في باريس عن كل نشاط سياسي أو جمعياتي للتفرغ التام لدراستي. وتمكنت في السربون من متابعة عدد من المحاضرات الكبرى والدروس في التاريخ وعلوم الاجتماع و بالخصوص دروس عن" المجتمع الصناعي" « leçons sur la société industrielle » التي كان يلقيها الأستاذ الفرنسي المعروف ، و الذي أخذ مواقف مساندة لتحرير الجزائر وأصدر سنة 1958 كتابات قيمة وشجاعة لفائدة الوطنيين الجزائريين، وهو الفيلسوف والمفكر والأستاذ في علم الاجتماع "ريمون آرون" « Raymond Aron » . كان "آرون" قد زار تونس منذ سنة 1949 ثم ساند قرار "منداس فرانس" منح الاستقلال الداخلي لتونس في صيف سنة 1954 وأعتبر الاستقلال التام للمغرب ولتونس أمر حتمي، كما أعتبر استقلال الجزائر لا مفر منه بالرغم من أن وضعها القانوني كان مختلفا تماما عن وضع المحميتين. وكانت المجاهرة بموقفه تتصف بشجاعة كبيرة و ببعد نظر في ما يخص مستقبل علاقة فرنسا بشمال افريقية في وقت كانت جل القوى السياسية بفرنسا وحتى أغلبية النخب الفكرية تأيد نظرية الدفاع عن ديمومة " الجزائر الفرنسية". وجلبت له كتاباته عن " المأساة الجزائرية" « la Tragédie algérienne » سخطا كبيرا وشتما لاذعا من طرف عدد من المفكرين والسياسيين في بلاده. وتأثرت كثيرا بدروس ومؤلفات " موريس لوري" "Maurice Lauré" الاختصاصي في التقنيات الجبائية و الذي يعتبر أب الأداء الذي انتشر اليوم في جل الدول وهو "الأداء على القيمة المضافة" كما كنت مولعا بمؤلفات الأستاذ "فرنسوى بيرو" François Perrouxفي الاقتصاد ومؤلفات الأستاذ " موريس دوفرجي" Maurice du Verger في المالية العمومية. وتحصلت بتفوق على شهادة ختم الدروس في هذا المعهد التطبيقي للأدءات. واثر الانتهاء من فترة التربص في إدارة الأداءات الفرنسية أقترح علي مدير المعهد كما أقترح على زميلي في الدراسة توفيق القلعي العمل في وزارة المالية الفرنسية إن كنا نرغب في ذلك. وكان الجواب بدون تردد : شكرا السيد المدير إن بلادنا تنتظرنا... . ملاحظة مدير المعهد الفرنسي للأداءات بالنسبة لتربص رشيد صفر بمصالح وزارة المالية الفرنسية: برهن السيد صفر على خصال مميزة مكنته أثناء تربصه من أن يرتب بين أحسن التلاميذ. الباب الثاني مرحلة المسؤوليات الإدارية بعد خروج المستعمر من وطننا. بذل وعطاء جماعي و تلقائي في مرحلة تاريخية حاسمة لمستقبل الوطن 1957-1977

مسودة من مذكراتي: الباب الأول : مرحلة التكوين و تونس تناضل للتحرر من الاستعمار.

الباب الأول مرحلة الدراسة والتكوين وتونس تواصل نضالها ضد المستعمر حتى النصر. 1933-1955 صدمة وفاة والدي و إنقاذي من الانزواى من خلال لانخراط في الحركة الكشفية الوطنية المناضلة التي أسهمت في المرحلة الحاسمة لتحرير تونس من المستعمر. 1933-1954 ولدت بمدينة المهدية يوم 11 سبتمبر 1933. بمنزل جدي من لأب مصطفى صفر الكائن حاليا بنج أعطي له منذ الاستقلال أسم "جان روس" وهو مفكر سياسي اشتراكي ساند الكفاح التحريري لبلادنا في مرحلته الأخيرة. وسجلني جدي مصطفى في دفتر الحالة المدنية بالمهدية تحت لقب محمد رشيد حسب عادته تبركا برسولنا صلى الله عليه وسلم. وإن كان والدي يعمل ويقطن بالعاصمة تونس في تلك الفترة فكانت التقاليد العائلية تقتضي أن تقيم والدتي بالمهدية مع قرب الولادة. وهذا ما حصل مع ولادة أختي الكبرى "زينب". ولكن أختي الصغرى "نجاة" ولدت بالأريانة في ضاحية العاصمة بالمنزل الذي كان يقطن به عمي أحمد صفر لأن والدي كان بالسجن في تلك الفترة بعد حوادث أفريل1938 وتنقل جدي إلى تونس لمحاولة زيارة إبنه في السجن .ولقد ابتدأت تعليمي الابتدائي بالمدرسة العربية-الفرنسية بباردو (ضاحية تونس) أين كان منزل أبي وذلك في السنة المدرسية 1939-1940 . وكانت من بين معلمات اللغة الفرنسية في تلك المدرسة السيدة شريفة بوزيد التي ستصبح في ما بعد مناضلة نقابية بارزة وزوجة الأستاذ والمفكر النابغ محمود المسعدي.بقيت لي من فترة مروري القصير نسبيا بهذه المدرسة -الموجودة حتى الآن بباردو قرب مسجد- ذكريات عديدة من بينها خروج التلاميذ مع معلميهم والاصطفاف على ضفة الشارع الرئيسي الذي أصبح يسمى شارع الاستقلال حاليا وذلك لمشاهدة مرور موكب دفن الباي الذي خلفه على العرش الوطني المنصف الباي. ثم انتقلت بعد وفاة والدي( 8أوت 1942) إلى المدرسة الابتدائية العربية الفرنسية بالمهدية في أكتوبر 1942.وأتذكر من بين أبرز المعلمين الذين ساهموا في تكويني و وتكوين رفقائي بالمهدية المربين الأجلاء السادة: إبراهيم الحداد والبشير عطية ومصطفى الحاج حمزة والصادق بوصفارة والجيلاني بوصفارة ومحمد عبد السلام وعبد الحكيم خوجة ومدير المدرسة الفرنسي "كوي " وكان قصير القامة إلى درجة انه يظهر كالقزم عندما يتجول مع زوجته التي كانت طولية القامة وكان من احتياطي جيش الطيران الفرنسي. ولقد قاسيت، أثناء انقطاع الدروس في فترة الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب، ما قاساه جل الأطفال وكافة الشعب التونسي في البلاد التونسية من حرمان ومخاطر وبالخصوص منذ قدوم الجنود الألمان في نوفنبر 1942 وحتى بعد إنتاصار جيوش الحلفاء ودخولهم في إستعراض قوي في شوارع العاصمة في شهر ماي 1943 و قد تلا مباشرة ذلك الانتصار إهانة للباي الشعبي والوطني المنصف باي ثم نفيه و تعويضه بالباي الذي بقي في مخيلتنا و نحن أطفال " لمين الباي الخائن للعهد". وكنت في تلك الفترة، على سبيل المثال، كبقية أطفال الحي الذي اسكنه بالمهدية, أقف الساعات الطوال أمام مخبرة الحي منتظرا دوري لتسلم رغيف الخبز الذي كان أحيانا مزيج من مشتقات الحبوب من قمح وشعير يضاف إليها سحيق الجلبانة المجففة. وكانت والدتي، بالخصوص، واجهت صعاب وعقبات وفاة زوجها الجسام مسخرة حياتها لتربية أبنائها بكل صبر و تجلد وكان موردها المالي الوحيد ينحصر في معلوم كراء المنزل المتواضع الذي تركه زوجها بباردو بعد أن اضطر إلى بيع منزله الأول سنة 1940.كان هذا المنزل متواجد في نهج البرتقال بباردو. توقفت الدروس في المدرسة أثناء العميات الحربية الذي دارت في تونس وغادر العديد من الجيرنان منازلهم و رحلوا إلى مساكن بسيطة يملكونها في حدائقهم بضاحية المدينة و رفض جدي الرحيل مثلهم وقينا في المنزل طيلة الحرب. و أدخلني جدي مصطفى "كتاب" الحي الذي بقي مفتوحا وهو متواجد في الجامع الصغير الذي كان قرب منزل جدي. وتعلمت هكذا الكتابة على "اللوحة" على الطريقة التقليدية وحفظت جزأين من القرآن الكريم.....وحاولت الاسهام مع أبناء عمي الصادق الذين كانا أكبر مني سنا و هما حسين و سالم حفر خندق في الحديقة المتاخمة للمنزل للاحتماء به عندما تصفر المنبهة بخطر قدوم الطائرات التي كانت تقصف غالبا على مناء المدينة وتخطيء أحينا الهدف و تحدث أضرارا فادحة في منازل المدنيين العزل .ولكن كانت أرض الحديقة رملية ولم ننجح في بناء خندق النجاة.... و عوض جدي الخندق بحماية إبتكرها و تمثلت في تصميم مخبىء في اكبر بيت في المنزل يحمينا بعض الشىء من ضرر سقوط سقف البيت إذا ما أصيب المنزل بشضايا القنابل . وبعد انتهاء العمليات العسكرية على التراب التونسي عدت إلى المدرسة وتدرجت في ثلاثة أقسام: القسم الثالث كان يديره المعلم الجيلني بوصفارة بالنسبة للغة الفرنسية و ابراهيم الحداد بالنسبة للغة العربية والقسم الثاني كان يديره المعلم مصطفى الحاج حمزة بالنسبة للفرنسية والصادق بوصفارة بالنبة للغة العربية و أما القسم ختم الدروس الابتدائة فكان يديره المعلم البشير عطية بالنسبة لللغة العربية و مدير المدرسة الفرنسي " كوي" بالنسبة للغة الفرنسية و المواد الاخرى من حساب و علوم طبيعية و جغرافية وتاريخ. و كان الشيخ محمد عبد السلام في جميع الأقسام يقوم بدروس التربية الاسلامية. وكان البشير العطية يتطوع بتدريب تلاميذ قسمه على مواد امتحان شهادة ختم الدروس الابتدائية في جميع المواد وخاصة الاملاء و الانشاء و العمليات الحسابية وذلك بإضافة ساعة على البرنامج الرسمي في كل مساء مباشرة بعد إنتهاء التوقيت العادي. وتحصلت بالمهدية على شهادة ختم الدروس الابتدائية في جوان 1946 ونشطت في جمعية كشاف المكارم بالمهدية بقيادة المربي المميز السيد البشير عطية( وذلك بالخصوص في السنة الدراسية 1945-1946) حتى أصبحت عميد طليعة كشفية. وكان البشير عطية في تلك السنة قد باشر بنفسه تدريب الفرقة الكشفية التي كونها من تلاميذ القسم النهاءي وكانت متركبة من مجموعتين تسمى كل مجموعة حسب المصطلح الكشفي "طليعة" وهي متركبة من حوالي 15 تلميذا ويقودودها عميد طليعة ومساعد عميد. دربنا البشير عطية بنفسه على المبادي الأساسية للنشاط الكشفي وكذلك على الأناشيد و على السير بانتظام و وعلى الرياضة كل ذلك في ساحة المدرسة بعد الدروس في مرحلة أولى قبل أن يقدم على تنظيم الرحلات ونشاط الفرقة في ضواحي المهدية أثناء راحة آخر الاسبوع وفي العطل المدرسية ولم يكن في تلك السنة نادي خاص بالفرقة ومن رفقائي في السنة الأخيرة من التعليم الابتدائي أتذكر المهدي بوصفارة وأحمد بوهلال ومحسن حمزة ( ابن المربي مصطفى الحاج حمزة وقد أصبح بعد الاستقلال مهندس في وزارة الفلاحة مختص في علوم التربة pédologie )) ومحمد التوينسي( كان إطارا في البنك المركزي في أزمة 1986). وكان الابن الثالث لخالي البشير صفر ويدعى صلاح الدين مع الابن الثالث لخالتي الشاذلية حرم أحمد صفر "منقو"ويدعى محسن صفر يتابعان دروسهم في المدرسة القرآنية التي كان يديرها باقتدار المرحوم الجيلاني لاغة حمزة. وكان الطفلان الاثنان من مواليد سنة 1933 أي إن سنهما كان قريبا جدا من سني وكانا في بداية إقامتي بالمهدية يمثلان أول رفقاء لي في تلك الفترة من الطفولة. كان صلاح الدين ذكيا جدا ومتفوق على رفقاءه في المدرسة ونجح بامتياز في ختم دراسته الابتدائية ونجح نجاحا مميزا في مناظرة الدخول إلى المدرسة الصادقية ولكن في مبيت الصادقية أصابه مرض خطير و وفاه الأجل المحتوم. أما محسن صفر فقد واصل تعليمه بتونس بجامع الزيتونة وكان يسكن في المدرسة الحمزية مع عدد من رفقاءه من مدينة المهدية في الفترة التي ابتدأت فيها دراستي بالعاصمة بمعهد الدراسات العليا. كان نشاط جمعية الناشئة الأدبية متواضعا نسبيا في تلك الفترة وخاصة بعد الحرب العامية الثانية مقارنة بما اشتهرت به في الثلاثينات القرن العشرين. واستفدت كثيرا من مكتبة الناشئة الأدبية التي كان يسهر عليها بانتظام و تفاني الشيخ محمد عبد السلام في الأربعينيات من القرن الماضي. وجدت ضالتي وأنا طفلا بالخصوص في كتب قصص " كامل الكيلاني" التي سهلت عليا تعلم اللغة العربية لأن القصص فيها متعة وتفجير للخيال وتجعل الطفل يرغب ويقبل تلقائيا على المطالعة . أحدثت وفاة والدي صدمة كبيرة في نفسي وجعلتني أميل إلى التشاؤم من الحياة في ضل الاستعمار الغاشم الذي كنت ألاحظ يوميا تداعياته على الموطنين من خلال سلوك أعوانه في المدينة وقد أعانتني كثيرا التربية والأنشطة الكشفية على الخروج من ميلي إلى الانطواء على النفس الذي لازمني بالخصوص في مرحلة الطفولة بعد صدمة وفاة والدي وفي مراحل أخرى من حياتي لاقيت فيها مصاعب حياة كل يتيم. صورة لجدي مصطفى سنة 1929 صحبة أبناءه الطاهر واحمد والطيب أخذت هذه الصورة بمناسبة زواج أبي و عمي أحمد بمدينة المرسى في منزل وضعه على ذمة جدي صديق العائلة السيد الفاضل العربي مامي. التحية الكشفية وبعض من معانيها: 1 الأصابع الثلاث تذكر بالوعد الكشفي بمقوماته الثلاث: القيام بالواجب نحو الله ثم الوطن ثم الآخرين أي كافة الإنسانية.2و3 الأصبع الكبير على الصغير يعني: يتعين على القوي حماية الضعيف.4 الكشاف دوما مبتسم. 5 تعاون الكشافين على عمل الخير وحماية الطبيعة وانجاز الحسنة اليومية. وبقيت أتذكر أول دراسة قدمها لنا المرحوم البشير عطية أثناء رحلة كشفية بالضاحية الشمالية لمدينة المهدية بمنطقة "جبل الغار" سنة 1945 أو 1946 وكانت تتعلق بالمعاني والرموز المرتبطة بالعلم التونسي والتي يتعين على الكشاف أن لا ينساها طيلة حياته وأن يعمل على تعميق الوعي بها لدى جميع المواطنين كلما أتيحت له الفرصة لذلك.وأبرز هذه المعاني التي فسرها لنا بإطناب كانت تتعلق: باللون الأحمر للعلم الذي يرمز أساسا إلى الدماء التي يتعين أن نضحي بها في سبيل الدفاع عن حرية الوطن وحرمته واستقلاله و كذلك في سبيل التضامن البشري متبرعين بالدم وقت الحاجة لنجدة كل إنسان مهما كانت ملته أو جنسه. وأما الدائرة البيضاء فهي ترمز بالخصوص إلى ما يجب أن يتوفر في قلب كل مواطن صالح من صفاء نحو الآخر و من وطهارة نفس ومن عفة ومن أخلاق حميدة. وأما الهلال الأحمر فهو يرمز إلى انتماء تونس إلى العالم الإسلامي والأمة الإسلامية والى تعلقها بمبادئ الدين الإسلامي السمحة وذات البعد الإنساني التقدمي.وأما النجم الأحمر ذو الخمسة أشعة فهو يرمز أساسا إلي المناسك الأساسية الخمسة للدين الإسلامي والى دورها في ترويض النفوس ونشر الفضيلة في المجتمع. وكانت مناهج التربية الكشفية قد تطورت كثيرا انطلاقا من التصورات الأولى لباعثها الضابط العسكري البريطاني " اللورد بادن باول" و قد مكنها تقدم علم النفس وخاصة علم النفس المتعلق بسن الطفولة وفترة المراهقة ومرحلة الشباب من تركيز أنشطتها وتنويعها على أسس علمية حتى أصبحت بحق مدرسة للإعداد الأطفال و الشباب لخوض صعاب الحياة. و الحركة الكشفبة تهدف بالاساس إلى تكوين المواطن الصالح المميز الذي يحاول في سعيه لتحقيق ذاته أن يعطي الأسبقية لخدمة وطنه و مواطنيه والانسانية جمعاء. والكشاف الحقيقي المكتمل التكوين يبقى دوما طيلة حياته مواطنا يفكر في القيام بواجباته على أفضل وجه قبل أن يطالب بحقوقه.و بقيت أساليب نشاط الحركة الكشفية في تطور مستمر وهي بحق مدرسة مكملة للتربة العائلية السليمة وللتربية والتعليم بالمدرسة : فلا غراب أن تجد أوفر عدد من قادة الخلايا الكشفية ينتمون إلى أسرة التربية والتعليم ويجدون في المنهجية الكشفية وأنشطتها المتنوعة في الهواء الطلق وفي النوادي سبل تدريب الشباب عمليا على ممارسة فعلية للقيم الأخلاقية والمثل العليا التي لا يمكنهم إلا تلقينها بصفة نظرية في المدرسة أو في المعهد. و يجدر التذكير على سبيل المثال بإن التربية الوطنية التي تلقنها الأنشطة الكشفية التطبيقية المتعددة هي ليست بالوطنية الضيقة أو "الشوفينية" بل وطنية تغرس في النفس التعلق بالوطن و حب الوطن وتجسم ذلك الحب أساسا في حسن السلوك وفي القيام بالواجبات نحو الوطن وهي في نفس الوقت تروض النفس على التفتح على الآخر مهما كان جنسه أو عرقه. فهي تربية وطنية إنسانية بالدرجة الأولى تسعى إلى تكوين أجيال " يحاولون، ما استطاعوا أن يصلحوا ما أمكن في هذا العالم الإنساني حتى يتركوه في وضع أحسن مما وجدوه". ولكن لابد من الإشارة إلى أن نجاعة الحركة الكشفية تبقى مرتبطة أساسا بمستوى تكوين القادة حتى يصبحوا أحسن مثال لفرقهم و للشباب بصفة عامة في سلوكهم اليومي وفي حذقهم لتقنيات وللمناهج النظرية والتطبيقية للتربية الكشفية. و"المثالية" تبقى الأساس في التكوين وفي التربية لأن الطفل والشاب يبحث دوما عن مثال يحتدي به ويأثربه في نحت شخصيته غالبا دون وعي ويكون ذلك التأثير أكثر وقعا من الدروس النظرية التي يتلقاها.... يقول المربي والقائد الكشفي من أبناء المهدية الطيب الفقيه أحمد في كتابه " دفاعا عن الحرية"( المطبعة المغاربية للطباعة والنشر والإشهار) في باب " من وحي ذكرى تأسيس الكشافة التونسية: " إن كلمة الكشافة مأخوذة من الكشف وهو رفع اللبس والإبهام عن الشيء, ومعرفته معرفة حقيقية, وفي المصطلحات العسكرية تعني الإطلاع على حالة العدو, وكشف أعماله وهيئاته زمن الحرب.أما الحركة الكشفية فهي عبارة عن منهج جديد متجدد من التربية, يدعو إلى الإقبال على أداء الخدمة بأوسع معانيها, وتحضير القادة وحب النظام و ممارسة الرياضة الروحية والفكرية والبدنية, والإقتداء بقيم النظام العسكري وبإيجابياته والتدريب على القيام بالخدمات الإنسانية كالتمريض والإسعاف, والعناية بالأطفال والشيوخ, والرفق بالحيوان والحفاظ على سلامة الطبيعة والحياة الصالحة النقية, والإيمان بالله. والكشافة بعبارة أوضح هي المدرسة التي يتلقى فيها الشاب تمرينا عمليا في التهذيب الحقيقي والتربية الكاملة. وطريقتها – باتفاق جميع المربين- هي أنجع طريقة ظهرت حتى الآن لإعداد الأبناء إعدادا يؤهلهم لاستقبال حياتهم استقبالا مضمونا حتى يقوموا بواجبهم الحيوي أحسن قيام, مقرونا بالنجاح الكامل...." وبالرجوع إلى تجربتي الشخصية في منظمة الكشافة الإسلامية التونسية من سنة 1950 إلى سنة 1956 يمكنني الجزم بأن هذه المنظمة التي كانت في تلك الفترة في طليعة الجمعيات الكشفية التونسية قد قامت بدور ريادي في ترسيخ التكوين الوطني السليم في جيل من شباب تونس في فترة عصيبة من تاريخ بلادنا كما ساهمت في تعميق " سلوك المواطنة الحديثة و الإرادة الجماعية في العيش المشترك فوق التربة التونسية" , تلك الإرادة التي تمثل المقوم الأساسي من مقومات بناء الأمة التونسية وميزة من ميزاتها الأساسية. وجسمت هذه الجمعية كذلك بالتعاون مع الشبيبة المدرسية والشبيبة الدستورية تجذر اللحمة القومية في جيل الاستقلال وأبعدته عن التطاحن الطبقي لأنها استطاعت استقطاب الشباب التونسي من مختلف الشرائح الاجتماعية وعلمته من خلال العمل المشترك الاحترام المتبادل على أساس الخصال والبذل والعطاء لا على أساس الانتماء إلى جهة أو شريحة اجتماعية دون غيرها. و وقد تحقق هذا التكوين في الكشافة الاسلامية التونسية في تلك الفترة أساسا بكثافة ملتقياتها التدريبية ودسامة نشاطها الكشفي المبني على أسس علمية وبيداغوجية ثابتة, خلافا لما كان يتصوره البعض الذي بقي يحمل أفكار سطحية على الحركة الكشفية و كان التكوين الكشفي في تلك الفترة يرتكز بالاضافة إلى التقنيات الكشفية البحثة على المحاضرات والدراسات التطبيقية والميدانية التي كان يقوم بها بالخصوص قسم التجوال في مجال تاريخ تونس وفي مجال البحث عن خصوصيات الشعب والمجتمع التونسي والأمة التونسية وضروف عيشها و مختلف سبل بناء مستقبلها. وكنا بالطبع في هذه الدراسات نتناول المواضيع مع تبسيطها حتى تكون في متناول الجميع على اختلاف الانتماءات المهنية و على اختلاف مستويات التعليم, بعيدين كل البعد عن الجدليات الأكاديمية وعن نظريات المفكرين الذين توغلوا,على سبيل المثال, في جدلية سبق الدولة على الأمة أو سبق بروز الأمة على تركيز الدولة في تاريخ الدول.وكان الجميع- بعد هذا التكوين الذي كان في غالب الأحيان يرتكز على الدراسات الميدانية للتعرف عن واقع البلدة والجهة التي نزورها و عن ظروف عيش القاطنين بها- يشعر بمزيد الاعتزاز إلى الانتماء إلى وطنه تونس, كما يزداد إيمانا بحتمية تحرير الوطن للارتقاء به ولتحقيق كرامة كافة مواطنيه في مختلف جهات الوطن. وبقيت أتذكر, على سبيل المثال, محاضرة قام بها الأستاذ عثمان الكعاك في بداية الخمسينيات في حلقة من جوالة العاصمة في مخيمهم في "بئر الباي" بضاحية حمام الأنف حول موضوع يتعلق بمميزات "الشخصية التونسية":واستشهد المحاضر- لتدعيم أقواله وأوصافه عن قوة الشخصية التونسية وقدرتها على هضم الحضارات الأخرى مع الحفاظ على أصالتها- بقضية اللباس و قضية اللغة موضحا أن التونسي استطاع أن يتأقلم مع الزى الأجنبي بدون مركبات وحافظ في نفس الوقت على اللباس التقليدي في الوقت الذي لم يستطع المستعمر الفرنسي الإقبال على تقلد اللباس التونسي لابتلائه بمركب التفوق. و يبرز نفس الوضع في مجال اللغة، إذ احذق التونسي اللغة الفرنسية، وتفوق فيها، مع الاستمرار في التملك بلغته في الوقت الذي لم يستطع جل المستعمرين الفرنسيين التملك من لغتنا إلا النزر القليل منهم. كان المفكر عثمان الكعاك – كغيره من المفكرين التونسيين- يستجيب بحماس لكافة طلباتنا لاثراء تكوين القادة وكان المرحوم بالخصوص يفسر لنا كيف أن العصر الصنهاجي يمثل العصر الّذهبي للأدب التونسي وأن صناعة الكتاب والورق ( الكاغد) كان لها شأن كبير بمدينة القيروان و مدينة المهدية قبل انتشارها بأوربا بقرون.....كان دوما يريد أن يعمق فينا الأعتزاز بتونس و هو يفسر لنا أن مستوى تقدم الأمم في المدنية والحضارة يقاس دائما بمقدار ما تستهلكه وتصنعه من ورق لطبع الكتب.... أقتطف للقاري الكريم بعض الفقرات من مقال طريف للقائد الكشفي سالم مغروم ضمنه ذكرياته الكشفية ونشره في مجلة الكشافة " دائما مستعد" عدد 37 مارس 2006 تحت عنوان " من كشاف المكارم إلى الكشافة الإسلامية بالمهدية " وقد وجدت أن هذا المقال يعطي باختصار نبذة حية عن جانب من تطور الحركة الكشفية بمسقط رأسي في فترة هامة من تاريخ مدينة المهدية. يقول القائد سالم مغروم في مقاله : " كنت عضو بدورية "الساف" بكشاف المكارم التي أسسها محمد التركي بمعية مصطفى الموجباني وحسين نعيمة. وكنا نجتمع بنادي الجمعية مستعرضين بعض الفنيات الكشفية كما كنا نحضر مع الكبار تمارين الفرقة التمثيلية. وفي خريف ستة 1949 أجتمع بنا قائد الدورية محمد التريكي وأعلمنا بما صدر من رئيس جمعية المكارم المرحوم البشير عطية من تأنيب وتوبيخ كان ضحيته محمد التريكي ومصطفى الموجباني من أجل صراخ وضجيج لبعض الصبية قرب نادي الجمعية لم يكنا سببا فيه. "وقررت المجموعة الانسلاخ من جمعية المكارم والتفكير في بعث فرع كشفي تابع لجمعية ذات إشعاع وطني. و وجدت المجموعة الصغيرة السند من طرف السيد حسن بن أحمد الزردومي. وأعان كذلك القائد الهادي الباجي المجموعة " المتمردة" على الاتصال بقائد إقليم المكنين لجمعية الكشافة الإسلامية محمود بالحاج صالح لبعث فوج كشفي في المهدية يكون تابعا لهاته الجمعية. وتم ذلك في نهاية سنة 1949 وانتصب الفوج بصفة وقتية في ناد تابع للشعبة الدستورية وهو عبارة على مخزن كبير يقع قرب "نادي التعاون". وأصبحت المجموعة تتسابق مع كشاف المكارم وتبذل مجهودات معتبرة بإمكانيات متواضعة جدا في البداية. وانظم إلي المجموعة عدد من الشبان من مختلف المستويات الاجتماعية ملتفين حول سالم بوعروة و علي مسعود وكونوا فريقا من الجوالة اختاروا تلقائيا أن يسموه "فريق الطاهر صفر". وشهدت بداية سنة 1950 التكوين الرسمي لهيئة الفوج برئاسة القائد ساسي رجب ومساعده سالم بوعروة. وكان الفوج يضم فرقة كشفية بقيادة محمد التريكي و زمرة أشبال بقيادة سالم مغروم وفريق للجوالة بقيادة سالم بوعروة. وكانت أول مشاركة لفريق الجوالة في نشاط كشفي وطني في صائفة1950 ( من 2 إلى 10 أوت 1950)حيث انتقل الفريق بقيادة القائد رشيد صفر إلى عين دراهم". وشارك فعلا فريق الطاهر صفر الفتي في مخيم تدريبي ضخم اجتمعت فيه كافة فرق الجوالة المنتمين للكشافة الإسلامية من جميع الجهات و انتظم هذا المخيم في غابة " المريدج" بعين دراهم و بقيادة المسؤول على قسم التجوال في تلك الفترة وهو القائد المقتدر المعروف والمحبوب من طرف الجميع زكرياء بن مصطفى.وبالرغم من فتوة "فريق الطاهر صفر" فقد كانت مشاركته مشرفة جدا وعاد إلى المهدية برصيد من التكوين والتدريب لا يستهان به أعده هذا التكوين نفسانيا وعمليا بالخصوص للقيام بالواجب الوطني في الفترة الحاسمة لتحرير البلاد من المستعمر التي ستنطلق في شهر جانفي 1952. وهي فترة لم نكن في سنة 1950 نتوقع بسرعة قدومها. تمثل الصورة القاءد الكشفي سالم مغروم صحبة القاءد محمد التريكي يوم عودتهما من الرحلة إلى مدينة ألجم تمثل هذه الصورة في الوسط القائد الكشفي حسونة بن الصغير الزوالي أصيل المهدية وهو يشرف على أداء القسم الكشفي في ماي 1936. وانتقلت بداية من أكتوبر1946 إلى مدينة صفاقس لمواصلة تعليمي بالمعهد الثانوي "كلاسيكي" للذكور بهذه المدينة الجميلة بعد نجاحي في مناظرة الدخول إلى التعليم الثانوي. وأخترت في هذا المعهد المتواجد فيه التلاميذ التونسيون والفرنسيون ما تسمى في ذلك الوقت «بالأقسام التونسية". وقد انطلقت هذه التجربة في معهد سوسة و صفاقس منذ سنة أو سنتين, قبل انطلاق دراستي بصفاقس, وهي عبارة عن شعبة لها نفس البرامج التي تدرس بالمدرسة الصادقية بتونس و نفس المواد التي تدرس للفرنسيين ما عدا اللاتينية وتضاف إليها المواد العربية. وابتدأت دراستي في المعهد في قسم السنة "السادسة تونسي" وهو قسم السنة الأولى ثانوي ووجدت معي تلاميذ بالخصوص من مدينة صفاقس أتذكر من بينهم صديقي محمد المصمودي( أصبح استاذا ثم مدير ديوان الصناعة التقليدة ثم مدير دار نشر) والحبيب كمون وعبد العزيز المنيف( أصبح كليهما متفقدا في وزارة المالية بعد الاستقلال) ومحمد كسكاس ونور الدين الشعبوني( أصبح متفقد في الديوانة) وحسين الزغل ( أصبح أستاذا ثم رئيسا مديرا عاما لشركة الحامض الفسفوري) ، ومحسن السلامي( أصبح رجل أعمال) و محمد بودية ( وقد أصبح في أول كوكبة لقادة الجيش التونسي) وعبد المجيد قطاطة، ومحمد بوعتور، ومحسن الفقيه، وعبد المجيد كسكاس و وبالاضافة إلى هؤلاء التلاميذ أصيلي مدينة صفاقس كان معي في نفس القسم تلاميذ من جزر قرقنة مثل صديقي علي الحيلي( أصبح أستاذا للتعليم العالي مختص في الرياضات ثم عميد كلية العلوم بتونس) و محمد بوراوي ( أصبح مهندس فلاحي) وعبد الوهاب حروش ( أصبح متفقد في الديوانة) وهم جميعا تقريبا التلاميذ الذين تمكنوا من الوصول معي إلى القسم الأول أي القسم الذي يعد للجزأ الأول من البكالوريا إذ أن نظام التعليم كان انتقائيا جدا في عهد الاستعمار: فلا يصل من مجموعة 35 تلميذ في القسم السادس إلا حوالي 15 تلاميذ لاجتياز امتحان البكالوريا ولا ينجح منهم من أول وهلة إلا ثلاثة أو أربعة تلاميذ وبهذه الصفة كانت تدمج الأقسام إلى بعضها في السنوات الأخيرة من التعليم الثانوي ويلتحق التلاميذ التونسيون بالتلاميذ الفرنسيين سنة قبل البكالوريا وتلتحق بهم الفتيات من معهد الفتيات المتواجد في نفس الحي في قسمي الجزء الأول والثاني من الباكالوريا. وقد كانت علاقتي برفقائي في الدراسة في معهد صفاقس على الحيلي و محمد المصمودي حميمة وكنا كثيرا ما نتبادل الآراء على انفراد حول مواضيع شتى منها المدرسية البحتة و منها المتعلقة بالحياة العامة والأوضاع السياسية في البلاد...ولاحظت أن العائلات في صفاقس محافظة جدا..فلا تستقبل بسهولة في منزل " صفاقسي" إذا كنت من غير أهل المدينة ولكن أنفرد رفيقي محمد المصمودي بدعوة رحبت بها واستقبلني محمد مع والديه في " جنانه" بضاحية المدينة و تغذينا معا وكانت في مقدمة الطعام تلك الأكلة الشهيرة في صفاقس " مرقة بسمك الصبارس" مرفقة بخبز الشعير اللذيذ...ومن بين الأساتذة الذين ساهموا في تكويني في الدراسة بصفا قس أتذكر بالخصوص أبرزهم وهم الأساتذة الطيب خماخم وعبد العزير بلحسن والطاهر قيقة والصادق مزيغ ومحمد بيرم ( كان اسمه الأصلي محمد بيرا وأختار من بعد تعويض كلمة "بيرا" بكلمة " بيرم") وذلك بالنسبة للغة والآداب العربية والأستاذة « دي سيكلدي" « Mme de Cecaldi » و "هاني" « Hani » و "لوسان" « Le Senne »بالنسبة للغة والآداب الفرنسية و"للو" « Le Loup »في الفيزيا والكيميا و"كرينار" « Griner » في الفلسفة و"جردان" « Jourdan » في الرياضيات. وكان القيم العام للمعهد يدعى السيد "كليمان" « Clément » وقد حاول قدر المستطاع أن يخفف مدة العقاب على التلاميذ المطرودين اثر مظاهرات سنة 1952 و كان مدير المعهد، في المرحلة الأخيرة من دراستنا، رجل ممتاز ومتعلق بالقيم السامية و مخلص للتونسيين وهو السيد "فوجار" Faugère » « وخلفه في إدارة المعهد الاستاذ"أوسناك" « Aussenac » الذي تحلى بنفس الخصال و قد بقي يعمل بضعة سنوات في صفاقس بعد الاستقلال. بقيت لي ذكريات عديدة و جميلة عن فترة دراستي بصفاقس: بقي راسخا في ذهني على سبيل المثال ذلك اليوم الذي كانت فيه الأستاذة "دي سيكلدي" ،ذات الجمال الساحر وعذبة الصوت، تحلل للقسم في السنة الثالثة الرواية الشهيرة للكاتب الفرنسي "كرناي" رواية "لوسيد" « le Cid »واختارتني لأتلو معها فصلا فيه حوار بين بطل الرواية "رودريق" والبطلة "شيمان". وتقمصت دور "رودريق" وتقمصت هي دور شيمان وبقيت هكذا،وأنا في سن المراهقة، أياما عديدة أحلم بذلك الصوت الناعم "لشيمان" وهي تبوح لي بحبها وكانت مخيلتي تائهة وسابحة.اخترت مواصلة دراستي بالمعهد الثانوي بصفاقس عملا بتوصية من عمي أحمد الذي أصبح يعمل كمتفقد للتعليم العربي الابتدائي مع الإقامة في عاصمة الجنوب. نبهني عمي من مدير المدرسة الصادقية في تلك الفترة مشيرا فقط إلى أن سلوكه مع والدي قبل وفاته لم يكن لائقا.وتحمس عمي أحمد لنشر التعليم في المنطقة الإدارية التي كلف بها وخاصة في مدينة صفاقس التي تجاوبت أهاليها مع مجهوداته للتبرع لتشييد المدارس القرآنية للأطفال وللفتيات. ووضع أحمد صفر هكذا "إدارة المعارف" أمام الأمر المقضي بالنسبة للانتداب وتحمل أجرة المعلمين والمعلمات. ولما تعين "لوسيان باي" على رأس الإدارة راسله طالبا منه أن لا يرخص مستقبلا في بناء المدارس في منطقته إلا بعد أن يتحصل على مصادقة مسبقة من المصلحة المركزية في تونس قبل الانطلاق في البناء. وحرص عمي على تكثيف التكوين البيداغوجي العصري بالنسبة للأسرة التربوية التي كان يدعوها حتى أيام الأحد في الصباح ليقدم لها محاضرات في قاعة سينما " النور" قرب نزل الزياتين المشهور. وتمكن في بضعة سنوات من رفع مستوى التعليم في المدارس القرآنية بالجهة حتى أصبحت نتائجها تضاهي وأحيانا تفوق نتائج المدارس " الفرنكو-عربية". ودعي المعلمين إلى تكثيف تعليم الأناشيد الوطنية وساهمت زوجته خالتي "حبيبة" مع السيدة حليمة الشعبوني التي عرفت في صفاقس بنشاطها المكثف في الحزب الحر الدستوري الجديد وفي الاتحاد النسائي في تحريض المواطنات على تعليم الفتيات حتى لفت ذلك أنظار الشرطة الفرنسية التي راسلت " إدارة المعارف".... نسخة من تقرير الشرطة في صفاقس بتاريخ 30 جوان 1947 يتعلق بنشاط زوجة عمي أحمد صفر متفقد التعليم الابتدائية بصفاقس . في السنة الأولى من الدراسة في معهد صفاقس كنت ضمن تلاميذ القسم عدد 1 من الصنف التونسي( برنامج دراسي على النمط الصادقي) إذ خلافا للسنة السابقة تضاعف عدد الناجين في مناظرة الدخول لمثل هذا القسم وأحدث هكذا قسمان من الصنف التونسي: ٌقسم تونسي عدد1 وقسم تونسي عدد2. كان في قسمي يبلغ عدد التلاميذ في تلك السنة حوالي الثلاثون تلميذا وكانوا جلهم أصيلي مدينة صفاقس ما عدى رفيقي على الحيلي وكان أصيل جزر قرقنة. ولما بلغنا السنة الثالثة من الدراسة تقلص عدد تلاميذ القسم بالخصوص بسبب الرسوب وأصبح لا يتجاوز الخمسة عشر تلميذا وكان نفس الشيء قد حدث في القسم الفرنسي الكلاسيكي وادمج القسمان بالنسبة لمتابعة المواد المشتركة مثل اللغة والآداب الفرنسية والرياضيات والفيزياء والكيمياء والتاريخ والجغرافية والعلوم الطبيعية واستفدنا بأساتذة فرنسيين أكفاء مثل الأستاذ المبرز " لوسان" والأستاذ " هاني " و كانا غالبا ما يخصصون للأقسام الفرنسية. و وجدنا أنفسنا ولأول مرة مندمجين مع التلاميذ الفرنسيين وجلهم من أبناء المعمرين وكانوا يجلسون في قاعة القسم مع بعضهم ولا يختلطون بالتلاميذ التونسيين ويلتف كذلك التلاميذ التونسيون مع بعضهم وكانت القطيعة تكاد تكون كاملة. كان رفيقي علي الحيلي متميز في جل المواد و بالخصوص في الفرنسية والرياضيات وكان غالبا ما يتحصل على أحسن الإعداد في مادة الإنشاء بالفرنسية وألتحق به أحيانا عندما يكون موضوع الإنشاء قد ألهمني. وأتذكر أن المدير الفرنسي ونحن في السنة الخامسة من التعليم الثانوي ( أي سنة قبل سنة قسم الإعداد للجزاء الأول من البكالورية) دخل للقاعة لتوزيع دفاتر نتائج التلاميذ في آخر ثلاثية من ثلاثيات السنة المدرسية فلم يتمالك من مخاطبة التلاميذ الفرنسيين - وخاصة تلميذه الفرنسي المفضل في القسم المسمى " دوسان" « Doussaint » - وتأنيبهم قائلا: " من المؤسف أن لا يكون ولو تلميذ فرنسي واحد في المقدمة. فالتلاميذ التونسيون متفوقون عليكم حتى في مادة الانشاء الفرنسية."وإذا كان الفضل للأساتذة الأفذاذ مثل الطيب خماخم و عبد العزيز بلحسن والطاهر قيقة في ما اكتسبناه من اعتزاز باللغة العربية وبالأدب والفكر العربي كان الفضل كذلك للأساتذة الفرنسيين مثل السيدة "دي سيكلدي" والأساتذة "لوسان" و "هاني" و" كرينار" في إنفتاحنا على مفكري " الأنوار" و وتملكنا بلغة "موليار".وكان ميلي و ولعي بالفكر الفلسفي وعلم النفس(البسكولوجية) وعلم الأخلاق كبير مع أستاذ الفلسفة " كرينار".والأمانة تفرض أن نشير إلى أننا لم نلاحظ حتى في الفترات الحرجة وخاصة بعد إنطلاق ثورة 18جانفي 1952 أي نزعة استعمارية في سلوك أغلبية أساتذتنا الفرنسيين وكانوا حريصين على تعليمنا وتحفيزنا وتشجيعنا للنجاح في دراستنا بدون تمييز أو محاباة للتلاميذ الفرنسيين. قائمة في جوائز آخر السنة الدراسية 1950-1951 للقسم المندمج تلاميذ تونسيين وفرنسيين من وثائق الأخ علي الحيلي. يبرز الجدول تقدم وتفوق للأخ على الحيلي في جل المواد ويليه التلاميذ: محمد رشيد صفر و حسين الزغل و " دوسان" و محمد المصمودي وفي بعض المواد الحبيب كسكاس وعبد العزيز المنيف وقوبعة وكريشان... جدول معدلات أعداد في مختلف المواد لكافة التلاميذ المتواجدين في القسم عندما التحق بنا التلاميذ الفرنسيين أثناء السنة الدراسية 1950-1951 الثلاثي الأول. أعد هذا الجدول الأخ علي الحيلي بطلب من القيم العام للمعهد " كليمان". يبرز هذا الجدول تفوق لعدد من التلاميذ التونسيين على التلاميذ الفرنسيين وحتى في مادة الانشاء الفرنسية حيث تفوق علي الحيلي في هذه الثلاثة وكان الأول بمعدل 13,50 وكنت الثاني بمعدل 13. برقية بتاريخ 11-3-1952 من مدير المعهد الفني بصفاقس للإعلام عاءلات التلاميذ بالطرد بعد مظاهرة 8-3-1952. قد عوض التعليل بإضراب بدلا من الاشارة إلى المظاهرة المساءية في المبيت. من الارشيف الخاص للأخ علي الحيلي. لقد أولعت بالفلسفة في نهاية دراستي الثانوية و ربمى وجدت فيها ملاذا حسنا لمواجهة همومي الشخصية وهموم وطني....... فماذا بقي في ذهني- على سبيل المثال- عن ما تعلمته عن فلاسفة اليونان في السنة الدراسية 1952-1953؟ ماذا بقي عن سقراط وعن إفلاطون وعن أرسطو وعن أبيقور....؟ عن سقراط بقيت أتذكر أنه يعتبر أبا الفلسفة و كانت شخصيته يكتنفها بعض الغموض لأنه لم يترك للبشرية أثرا مكتوب. وقد عرف من خلال أعدائه مثل أرستوفانس الذي قدمه كشخصية مثيرة للسخرية و كسفسطائي خطير. وقد تم الإطلاع على أسلوبه في التفكير وعلى فلسفته من خلال كتابات أتباعه المتحمسين له مثل أفلاطون و أرسطو الذين قدموه بالخصوص كموقظ مميز للنفوس والضمائر. بقيت في ذاكرتي النتيجة الشهيرة التي توصل إليها في مساره الفكري :" كلما أعرفه هو أني لا أعرف شيئا، بينما يعتقد الآخرون أنهم يعرفون ما لا يعلمون". وكم من مرة في حياتي وجدت صواب هذا الاستنتاج.... كانت ندوات سقراط المتسمة بالنقاش والجدلية تلقى اهتماما كبيرا من طرف شباب أثينا مما أثار انزعاج أولياء الأمور في "مدينة ميلاد الديمقراطية الأرستقراطية". كان سقراط يعتقد أن فطنة الكائن البشري تنبع من روحه العاقلة القوامة على جسده وانطلاقا من هذا المعتقد انبثقت العديد من استنتاجاته وتعاليمه منها التأكيد على المفهوم الداعي إلى ضرورة تفهم عميق للنفس: "أعرف نفسك" وهي تلك العبارة المنحوتة على واجهة هيكل " دلفس" والتي اتخذها سقراط شعارا :" حياة لا يفحص عنها لا تستحق أن تعاش". ويعتقد سقراك أن " الكرامة الحقيقية للنفس إنما تنبثق من العلم الذي هو ميراثها الأصلي" وقد جعل سقراط من علم الأخلاق محور مسعاه الفلسفي وهو الذي اعتقد أن النفس البشرية قادرة على السمو حتى تصبح قادرة على التملك بالمعرفة بدون أن تبقى أسيرة للأشياء الخارجية ومن واجب العلم والمعرفة أن يبتعد كلاهما عن الانفعالات البشرية السخيفة وأن تركز أساسا على ماهية المعاني والمفاهيم المجردة ( les concepts)..و هذا التوجه يبدو وكأنه ممهدا لما سيصدر في ما بعد عن "ديكارت" وحتى عن "كانت". و قد عرف سقراط بالمقدرة الكبيرة على الإقناع أكثر من الإبداع و هو يعتمد أساسا على الجدلية ( dialectique ) وعلى توليد الحقيقة من النفس (maïeutique ) باستخلاص نقاط التلاقي بين المتحاورين حول الحقائق الكونية المتعارف عليها وفق منهج المنطق. وقد وجدت أن أحسن القادة في الكشافة يحذقون هذه الطريقة عند إدارة حلقات الحوار حول نار المخيم.... كان أستاذي في الفلسفة" كرينار" في معهد صفاقس مولع بسقراط وأفلاطون و أرسطو. وكان يعتبر سقراط بحق مؤسس فلسفة الأخلاق وأول منظر للعقلانية كما كان داعية إلى حرية الرأي ومشجع على بذل مجهود الفرد في التفكير...مما جعل منه مثالا يحتذى في كل موروث فلسفي لاحق.... وكان أستاذنا في الآداب العربية السيد عبد العزيز بالحسن يشاطر رآى " كينار" ويضيف أن الفلسفة العربية الاسلامية قد تغذت كذلك بأفكار سقراط وإفلاطون وارسطو وطورت تلك الافكار التي أخذها الغرب عن العرب والمسلمين في مسار لا ينتهي من تلاقح الفكر الانساني...... وأما عن أفلاطون بقيت أتذكر أنه تتلمذ على سقراط وأعجب به حتى أن أغلب كتبه أتت في شكل محاورات اخذ فيها سقراط دور الشخصية الرئيسية. أفلاطون فيلسوف مثالي بالأساس و تفكيره يقوم على التمييز في الوجود بين العالم المحسوس والعلم المعقول الذي يسميه بعالم "المثل" أي عالم الأفكار المجردة الثابتة وحتى الأزلية. وقد كان بهذه النظرية يتجاوز آراء السفسطائيين التي كانت تحول دون القول بإمكان التوصل إلى معرفة موضوعية ثابتة في العالم المحسوس. وكان "هيرقليطيس" يعتبر أن عالمنا هو في تغير مستمر وكل معرفة تعتمد على الحواس تبقى بالضرورة معرفة ذاتية فكان على أفلاطون أن يتجاوز مثل هذه الاستنتاجات بابتكار نظرية تعتبر أن الوجود الحقيقي ليس الوجود المحسوس المتغير وإنما الوجود المعقول الثابت واعتبار المعرفة الحقيقية ليست المعرفة الحسية الذاتية والنسبية وإنما المعرفة المعتمدة على العقل والقادرة على إدراك الأفكار المجردة والثابتة مثل " إنسانية الإنسان" التي هي عنصر ثابت بالرغم من تعدد وتغير خصائص كل إنسان ومثل الجمال و الفضيلة والخير والحق..... ويعتبر أفلاطون أن الفضيلة مرتبطة بالمعرفة. الخير والسعادة عند أفلاطون ليسا شأنا شخصيا بقدر ما هما قضيتان تتعلقان بالمدينة ككل وبالتالي لا يمكن الاقتراب من الكمال إلا في مدينة محكمة التنظيم: تكمن سعادة الفرد في سعادة المدينة التي تتوفق إلى تحقيق الانسجام بين جميع أطرافها وشرائحها. أفلاطون هو فيلسوف المدينة الفاضلة المثالية وأب التيار المثالي في تاريخ الفلسفة بدون منازع. وماذا بقى في الذاكرة عن أرسطو؟ هذا الفيلسوف من تلاميذ أفلاطون ولكن منهجيته إنبنت على دحض البعض من أفكار أستاذه وخاصة نظرية "المثل" وقد سعى أرسطو في كتاب "الميتافيزيقا" إلى أن يبين أن "نظرية المثل" هي واحد من اثنين : إما أنها متناقضة و خاطئة أو أننا لا حاجة لنا بها. وحتى وإن كانت نظرية المثل صحيحة فهي لا تؤدي إلى الغاية التي يسعى إليها الفيلسوف أو الإنسان العادي الذي يبحث لمعرفة حقيقة عالمه وتحديد منزلته منه.وحسب أرسطو إذا كانت "الأخلاق" هي علم السعادة الفردية فإن "السياسة" النبيلة هي علم السعادة الجماعية. فوظيفة الدولة هي محاولة تحقيق السعادة لأفرادها. والدولة هي نتاج طبيعي ينبثق من المجتمع إذ " الإنسان مدني بالطبع" وأسبقية المدنية على الفرد هي أسبقية طبيعية إذ لا يمكن للفرد أن يعيش إلا داخل المجموعة. و إن نظام الحكم الأمثل حسب أرسطو هو ذلك الذي يخدم مصلحة المجموعة ولا يخدم مصلحة ماسك السلطة. وهو يعتبر أن "الحكم الفردي" يمكن أن يكون صالحا لكنه يفضل "حكم الأغلبية" لأنه أضمن منه وأقل عرضة للزيغ عن سعي الدولة في إتجاه تحقيق مصلحة المجموعة. وبالنسبة للفيلسوف "أبيقور" الذي لم يبقى من الكتب التي ألفها سوى شذرات فهو مؤسس "المدرسة الأبيقورية" التي تعتبر أن اللذة هي الخير الأسمى وهي " غاية الحياة السعيدة" ويتأسس تصور أبيقور للسعادة على تصوره للإنسان كجسد ونفس فيى آن واحد. ولذلك يقول إن السعادة تكمن في تحقيق الخير الملائم لطبيعة الإنسان فالخير الملائم لطبيعة الجسد هي "اللذة" وأما الخير الملائم لطبيعة النفس فهي "الطمأنينة". وعلى الفلسفة أن تبحث لتجيب عن سؤالين أساسيين بالنسبة ل أبيقور: كيف السبيل إلى تحقيق أكبر قدر من اللذة؟ وكيف السبيل إلى تحقيق الطمأنينة؟ فأما على السؤال الأول: يجيب أيقور أن ذلك يتحقق بالاعتدال. فإذا و خلافا لما يعتقده البعض ليست الأبيقورية دعوة إلى التفسخ والإفراط في السعي إلى اللذة الجسدية دون ضوابط، ذلك إن اللذة التي تحصل بإشباع الرغبات هي لذة يخالطها الكثير من الألم والإفراط في طلبها لا يمكن أن يؤدي إلا إلى التعاسة والهلاك. وأما عن السؤال الثاني: فيجيب أبيقور إن ذالك يتحقق بالتخلص مما يسبب اضطراب النفس.والنفس تضطرب من الخوف ولا يستطيع الإنسان أن يتخلص من الخوف إلا بالوعي والمعرفة. وما بقي في ذهني عن الفيلسوف "ديكارت" باعث الفلسفة الحديثة؟ ديكارت كان في نفس الوقت فيلسوف وعالم رياضيات وفيزيائي وعالم موسوعي فرنسي. يعتبره البعض مؤسِّس الرياضيات الحديثة، يُعتبَر كذلك " ديكارت" من رواد العقلانية في الفلسفة الحديثة: فالكثير من الأفكار والفلسفات الغربية اللاحقة هي ثمرة التفاعل مع كتاباته التي دُرِّست وتدرَّس من أيامه حتى يومنا هذا. لذلك يُعد ديكارت أحد المفكرين الغربيين الأساسيين وأحد مفاتيح فهم الانسانية للثورة العلمية والحضارة الحديثة. يشبِّه ديكارت الفلسفة بشجرة، "الميتافيزيقا" جذورها و"الأخلاق" ثمارها، بالإضافة إلى الميكانيكا والطب. وهذا يعني أن الميتافيزيقا ليست في أهمية المعرفة الأخلاقية، لأن مهمة الإنسان في هذه الحياة هي أن يكتشف مبادئ السلوك السليم التي تؤهله، بفضل جميع العلوم، ليكون سيد الطبيعة. والاهتمام بالمعرفة الميتافيزيقية، وبالفلسفة عامة، هو إذن وسيلة لبناء الحياة السعيدة. لكن هذا البناء السلوكي يشترط منهجًا في التفكير يقود إلى ضبط الحقائق. فما هو هذا المنهج؟ أعتبر عدد من الفلاسفة أن "المسبقات aprioris les " التي توارثوها هي "حقائق" لأنهم يعتبرون الآراء العامة السائدة بقوة بين الناس غير قابلة للنقاش، وبعضهم الآخر اعتبر أفلاطون وأرسطو مرجعَين لا يخطئان. فما هوإذا المنهج الذي ينبغي لنا اتباعه لبلوغ الحقيقة؟ حسب مقولة ديكارت لا يملك الإنسان إلا وسيلتين للمعرفة اليقينية: الحدس والاستنتاج: الحدس: هو الذي يمكن من إدراك، مباشرةً ويقينًا، بعض الأمور: كالقول مثلاً إن المثلث صورة، وإنه يتألف من ثلاث زوايا وثلاثة أضلاع. هذه المعلومات تشكل مبادئ بسيطة ومنطلقات موروثة. الاستنتاج: هوالذي يمكن من استخلاص نتائج ثابتة من بعض الطروحات، كمحاولة العثور، مثلاً، على حلٍّ للمسألة التالية: كيف يكون مجموع زوايا المثلث معادلاً لزاويتين قائمتين؟ و يعتقد ديكارت أن الحدس يدرك المبادئ الأولى والمباشرة في العلم والفلسفة، وأن الاستنتاج العقلي يضبط المحصلات المنطقية التي تنتج عن تركيب المبادئ. وبما أن الحدس والاستنتاج يعطيان نتائج تتحول إلى معتقدات مبهمة إذا لم تقترن بالتجربة، يجعل ديكارت -مثل الجاحظ- من التجربة شرطًا ثالثًا للحصول على اليقين في المعرفة. و يلاحظ ديكارت في كتابه خطاب المنهج أن بعض القواعد الأخرى ضرورية لحسن استعمال المبادئ الثلاثة الآنفة الذكر ويركز على القواعد الأربعة التالية: القاعدة الأولى: تكمن في أنه ينبغي لنا السلوك في حذر، بتفادي التسرع والتهور، وعدمُ الركون إلى أمر ما بوصفه حقيقةً إلا إذا بدا لنا يقينًا أنه كذلك استنادًا إلى الموضوع في أفكارنا وإلى قدرتنا على التمييز بين الصحة والخطأ. ولا يتم هذا العمل إلا بممارسة الشك المنهجي. القاعدة الثانية: تقضي بإجراء تحليل دقيق للمسائل، وصولاً إلى الأفكار البسيطة، فالأبسط منها. القاعدة الثالثة: هي التركيب أو "المؤالفة" بين الأفكار البسيطة التي كشفها التحليل انطلاقًا نحو المفاهيم المركبة الأعقد في تدرُّج منطقي ينتج فيه المركب عن البسيط. والقاعدة الرابعة: هي القدرة على إعادة النظر في كلِّ ما سبق وحصلنا عليه عبر الحدس والاستنتاج، وعبر القواعد الثلاث الأولى. وهناك لا يكون للتجربة دورُ إثبات صحة ما وصلنا إليه وحسب، بل والتوصل إلى تتويج هذه الحصيلة بكشفٍ لأسرار عالمنا في الحقول كلِّها....... حاول ديكارت إضفاء بُعد ميتافيزيقي وجودي على فلسفته في المعرفة. فالرصد الدقيق لنشاط الإحساس والعقل يثبت أن هاتين الوسيلتين لا توفران للإنسان معرفةً يقينية. مثلاً: لا تؤدي الأحكام المركَّبة من الحواس – من حالة الوجود: "هذه الطاولة موجودة"، من حالة الوصف: "هذه الطاولة سوداء"، من الوضع العلائقي: "هذه الطاولة أصغر من تلك" – لا تؤدي هذه الأحكام كلها إلى الحصول على حقائق منزهة عن الشك، وذلك للأسباب التالية: - اقتناعنا أن ما نراه في أحلامنا ونحن نيام أو في هلوستنا عبارة عن حقائق يجعلنا نظن أن ما نراه في يقظتنا قد يكون أحلامًا أو هلوسات؛ وليس لدينا ما يثبت عكس ذلك. - تحدث الإحساسات تحريفًا في إدراك العالم الخارجي وتعرِّض أحكامنا للخطأ: مثلاً، يبدو لنا البرج المربع البعيد مستديرًا. لذا ينبغي أن نتخذ حيال الإحساس الموقف الذي يتخذه قاضٍ تجاه شاهد مشكوك في صدقه. - لأن طبيعة الإنسان تقترف أخطاء في أحكامها، حتى لو ارتبطت بمفاهيم شديدة الوضوح. فلا شيء يُثبت أننا لا نصدر حكمًا خاطئًا حين نكون متيقنين من أننا نصدر حكمًا صائبًا. - لا أحد يستطيع إثبات أن أفكار الإنسان ليست ثمار عمل شيطان يتلذذ بدفعه إلى الخطأ، وأن ما نتصوره تصورًا صحيحًا لم يوسوس به هذا الشيطان الذي يهب الإنسان شعورًا باليقين. ألا تصبح محاكمة العقل بكل هذه الاحترازات ضياعًا لاعقليًّا؟ وإذا كانت المسلَّمات axiomes les– وهي معطيات بديهية لا تحتاج إلى إثبات – ناقصةً أو خاطئةً بطبيعتها، فأية قيمة تبقى لأحكامنا؟ ألا يقضي التعقل هنا بأن نكون مشكِّكين، فنشك حتى في القدرات التي تصوغ أحكامنا؟ هنا يصل ديكارت إلى عقدة محورية في فلسفته الميتافيزيقية الوجودية: إذا كنت أشك في كلِّ شيء، في وجود العالم كما في وجود جسمي، في تفكيري كما في الحقائق كلِّها التي يزعم شيطان أنه يكشفها لي، فإني، مع ذلك، لا أقع في الفراغ المطلق؛ إذ تبقى عندي حقيقة لا أشك فيها، هي أنني لن أستطيع الشك في أني أمارس الشك: فالذي يشك يفكر، والذي يفكر يكون موجودًا: "أنا أفكر، إذن أنا موجود" . ويلوذ ديكارت بالإله، كمنقذ لنا من الخطأ ومدبِّر لقدرتنا على إدراك اليقين. فإذا كان الله موجودًا بالفعل ككائن كامل خالق، زال الافتراض حول وجود الشيطان وما يمكن له أن يوسوس به. ويلجأ ديكارت إلى ثلاثة براهين لإثبات وجود الله، مستندًا إلى فكرة الكمال أساسًا: البرهان الأول: أمتلك فكرة الكمال على الرغم من أنني كائن ناقص. يمكن لي إذن الاستنتاج أنني لا أستطيع، ككائن ناقص، أن أصوغ فكرة الكمال هذه. وبما أنه يستحيل على كائن يعتريه النقص أن يعطيني إياها، لا بدَّ إذن من أن يكون ذاك الذي وضعها في عقلي كائنًا كاملاً، وأن يكون هذا الكامل موجودًا. وماذا بقي في ذهني عن الفيلسوف" كانت"؟ هو فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر. كان آخر فيلسوف كبير مؤثر في أوروبا الحديثة في التسلسل الكلاسيكي لنظرية المعرفة خلال عصر التنوير الذي بدأ بالمفكرين جون لوك، وجورج بركلي وديفيد هيوم. خلق "كانت" منظورا واسعا جديدا في الفلسفة أثر في الفلسفة حتى القرن الواحد والعشرين. نشر أعمالا هامة عن نظرية المعرفة كذلك أعمالا متعلقة بالدين والقانون والتاريخ. و من أكثر أعماله شهرة هو كتاب" نقد العقل المجرد"، الذي هو بحث واستقصاء عن محدوديات وبنية العقل نفسه. قام كتاب النقد المجرد بهجوم على الميتافيزياء التقليدية و ضرورة تطعيمها بنظرية المعرفة وأهم مساهمات "كانت" برزت في هذه المساحات. الأعمال الرئيسية الأخرى في شيخوخته هي "نقد العقل العملي" الذي ركز على الأخلاق، ونقد الحكم الذي استقصى الجمال والغائية. متابعة الميتافيزيقا تشمل طرح أسئلة حول حقيقة الطبيعة المطلقة. اقترح "كانت" أن بالإمكان إصلاح الميتافيزيقا عن طريق نظرية المعرفة. اقترح أنه بفهم مصادر وحدود المعرفة الإنسانية يمكننا طرح أسئلة ميتافيزيقية مفيدة. اعتقد "كانت" أنه توفق إلى خلق طريق وسط بين التجريبية والعقلانية. واعتقد الفلاسفة التجريبيون أن المعرفة تكتسب بالتجربة وحدها، لكن العقلانيين تمسكوا بأن هذه المعرفة مفتوحة للشك الديكارتي وأن العقل وحده يدلنا على المعرفة. فكر "كانت" كان مؤثرا جدا في ألمانيا أثناء حياته، نقل الفلسفة إلى ما وارء المناظرة بين العقلانيين والتجريبيين. الفلاسفة مثل "شلنغ"، وحتى "هيغل" و"شبنهور" كلهم رؤوا أنفسهم مصححين وموسعين للنظام الكانتي، هكذا نشأت نماذج مختلفة من المثالية الألمانية. استمر "كانت" ليكون مؤثرا أساسيا في الفلسفة فأثر على الفلسفة في كامل القارة الأوربية. الإمان بالله كان كانت من المؤمنين بالله. إلا أنه يوكل الإيمان إلى الضمير ولا يعتمد فيه على البراهين العقلية التي تستمد من ظواهر الطبيعة. فالعقل في مذهب كانت لا يعرف إلا الظواهر الطبيعية ولا ينفذ إلى حقائق الأشياء في ذواتها. أقر كانت بالضرورة العملية للاعتقاد بالله في كتابه "نقد العقل المجرد"و أضاف أن فكرة الله لا يمكن فصلها عن العلاقة بالسعادة والأخلاق "كمثل أعلى للخير الأسمى". وماذى بقي في ذهني عن "هيغل"؟ في نظر هيغل تظهر الفلسفة الحديثة، والثقافة، والمجتمعَ كعناصر مشحونة بالتناقضاتِ والتَوَتّراتِ، كما هي الحال بالنسبة للتناقضات بين الموضوعِ ومضمون المعرفةِ، بين العقلِ والطبيعةِ، بين الذات والآخر، بين الحرية والسلطة، بين المعرفة والإيمان، وأخيرا بين التنوير والرومانسية. كان مشروع "هيغل" الرئيسي الفلسفي أَنْ يَأْخذَ هذه التناقضاتِ والتَوَتّراتِ ويضعها في سياق وحدة عقلانية شاملة ،موجودة في سياقاتِ مختلفةِ، دعاها "الفكرة المطلقة "أَو" المعرفة المطلقة". طبقاً لمنهج "هيغل"، تكون الخاصية الرئيسية في هذه الوحدةِ في تتُطوّرَ ها وتتبدى على شكل تناقضات وسلب. ويولد التناقض والإنكار لَهُما طبيعة حركية في كل مجال من مجالات الحقيقة—الوعي، التاريخ، الفلسفة، الفن، الطبيعة، المجتمع—و هذه الجدلية تؤدي إلى تطويرِ أعمق حتى الوصول إلى وحدة عقلانية تتضمن التناقضاتَ كمراحل وأجزاء ثانوية داخل كل تطوري أشمل. هذا الكل عقلي لأن العقل وحده هو القادر على تفهم كُلّ هذه المراحلِ والأجزاءِ الثانوية كخطوات في عملية الإدراك. تقوم فلسفة "هيجل" المثالية على اعتبار أن الوعي سابق للمادة بينما تقوم النظرية الماركسية على اعتبار أن المادة سابقة للوعي على اعتبار أن المادة هي من تحدد مدارك الوعي وبالتالي يتطور الوعي بتطور المادة المحيطة بالإنسان، كان "ماركس" أحد رواد حلقات عصبة الهيجيليين ثم انشق عنها مؤلفا فلسفته الخاصة به، ولا تستطيع النظرية الماركسية بماديتها تفسير كل ما يدركه الوعي لأنها تفترض - على المطلق - بأن الوعي هو انعكاس كامل عن المادة ولكن إذا سألنا أنفسنا عن ماهية المادة التي أعطت الوعي بعض المفاهيم المثالية كالحق والعدالة والرحمة فإنه لن تكون هناك أية مواد مغذية للوعي الإنساني لتلك المفاهيم. هناك حقائق مطلقة في هذا الكون كما أسماها "هيجل" على المجاز. ويعمل العقل البشري بكل من المادة والوعي ضمن علاقة مركبة بينهما على اكتشاف تلك الحقائق والنواميس التي تجتاز في حقيقتها وماهيتها حدود المادة القاصرة نفسهأعلى تفسير مثل تلك الظواهر إذا ما حاولنا فهمها بمادية مجردة، قد يمتد هذا الفهم إلى الميتافيزيق نفسه وهو ما أنكره "ماركس" تحت مسمى مغلوط (الدين أفيون الشعوب وزفرة العقول البائسة). يقول "هيجل" عن فلسفته أنها إحتوت الفلسفات السابقة جميعا. فهو أمتداد وليس نشوء جيد بل هو تفسير لما اراد من سبقه من الفلاسفة ان يقوله ولم تسعفهم التجربة الإنسانية في الاستدلال أو الإيضاح. ولقد ميز هيغل بين ثلاث مفاهيم مبينا التداخل والانفصال فيها ،الحقيقة, والوجود, والوجود الفعلي. لقد أيد "هيجل" في نقاشه لمقولة "أفلاطون" تلك أن هناك انفصالا بين الحسي والعقلي ولكنه ليس انفصالا مطلقا, بل علاقة متداخلة. وأن المعرفة بكليتها ناتجة عن تلك العلاقة المتداخلة بني الحسي والعقلي. ومن هذا الأساس الجدلي نشأت فكرته عن الوحدة المطلقة بين الفكر والوجود وشكلت الأساس الذي قامت عليه فلسفته برمتها. لقد رأى هيجل ان الوصول إلى الوعي من المادة مستحيل, كما يرى الماديون, كما أن استخلاص المادة من الوعي, كما تقول الأديان, مستحيل بدروه. لذا نظر إلى الوعي بوصفه نتيجة للتطور السابق لجوهر أولي مطلق لايشكل وحدة مطلقة للذاتي والموضوعي دون أي تمايز بينهما, وعليه فالوحدة الأولية التي تشكل الأساس الجوهري للعالم هي وحدة الوجود والفكر. حيث يتمايز الذاتي والموضوعي, فكريا فقط. و لقد بلغ تأثير هيجل في العالم الحديث ما لم يبلغه أي مفكر آخر، فتصور ماركس لجدل التاريخ، وتحليله للنظام الرأسمالي مدين لهيجل، كما أن وجودية كيركجور قد تطورت كرد فعل لفلسفة هيجل وكذلك الأمر بالنسبة إلى براقماتية جون ديوي و إلى التفكيكية عند جاك دريدا الذي يعتبره البعض آخر الفلاسفة المبدعين في الفلسفة التي طغت عليها العلوم الصحيحة وربما همشتها في القرنين العشرين والواحد والعشرين. ربما أطنبت وأطلت واقلقت في هذه الشذرات من الذكريات الفلسفية....فذلك مقصود...حتى يقارن القاري- إذا ما اراد- ما تبقى له من ذكريات عن ما تلقاه في دروس الفلسفة التي مع الاسف اعتراها بالخصوص منذ سبعينيات القرن الماضي الكثير من التغيير المتعثر أحيانا...جيلنا قد تمكن من توسيع طاقة تفكيره بدروس الفلسفة والمفكرين من مختلف العصور. وقد كانت تقدم للتلاميذ بالخصوص في خاتمة الدراسة الثانوية في الاختصاصات الثلاث التي كانت متواجدة بالنسبة للجزء الثاني من شهادة البكالورية: وهي الفلسفة. و الرياضيات، والعلوم التجريبية. و إن كان حجم دروس الفلسفة وعلم النفس أشمل بالنسبة لقسم الفلسفة ولكن كانت برامج الدروس الفلسفية كافية في أقسام الرياضيات والعلوم التجريبة. وهذا الموضوع يبدو لي بالغ الأهمية بالنسبة لمستقبل بلادنا ونمط المجتمع الذي ناضلنا من أجله .فعلينا أن نحرص كل الحرص على تدريس سليم وعميق للفلسفة وتطور الفكر الانساني في مجال العلوم الانسانية وإعطائها قيمتها الكاملة في جميع الاختصاصات التي تعددت في شهادة البكالورية منذ سنوات في تعليمنا الثانوي وتدنى فيها التكوين العام الضروري لمواجهة الحياة وتكوين الموطن الواعي بحقوقه وبواجباته نحو الوطن والانسانية جمعاء.... كان النشاط الثقافي مكثفا في مدينة صفاقس أثناء الديراسة الثانوية مقارنة بما عرفته في مدينة المهدية بالخصوص في فترة 1949-1951 وذلك عن طريق الجمعية الثقافية والتعاون المدرسي التي كانت في تلك الفترة تساند الحركة الوطنية بحذق كبير من خلال المحاضرات والرحلات. وأتذكر رحلة مفيدة إلى مدينة قربص على متن حافلة شارك فيها معي عدد من رفقائي في المعهد وكان الأستاذ الخنفير( عضو ناشط و مؤطرمن هيئة الجمعية) هو المسؤول عن تنظيمها و قد توفق إلى تحقيق توازن بين الإفادة من خلال مداخلات تاريخية وجغرافية واقتصادية قدمها عن الجهة أثناء السفرة الطويلة في الحافلة من صفاقس إلى قربص و بين الترفيه من خلال الأناشيد والتجول في المدينة وفي الجبال المجاورة الرائعة. وكانت الجالية الفرنسية من خلال جمعية ثقافية أخرى يسهر على تسييرها بالخصوص أساتذة فرنسيون من المعهد تستدعي من فرنسا كل سنة عددا كبيرا من الكتاب و الأساتذة المميزين في العلوم الإنسانية لإلقاء محاضرات مسائية في قاعة السينما القريبة من المعهد وكانت هذه المحاضرات مفتوحة ومجانية لتلاميذ السنوات الأخيرة في المعهد وكانت مفتوحة للعموم مقابل مساهمة مالية متواضعة. إمضاء مدير المعهد " فوجار " على شهادة الاستحسان للثلاثي الثالث للسنة الديراسية 1949-1950 تمثل الصورة مجموعة من تلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس وهم في رحلة في غرة أفريل 1950 الى مدينة قربص أخذت الصورة قرب عين " الصبية" ويظهر في وسط الصورة التلاميذ منذر الشعبوني ورشيد صفر ومحمد المصمودي -بالنظارات السوداء- وخلف صفر الجلاني البندالي صورة لتلاميذ المعهد الثانوي بصفاقس في رحلة مع بعض الأساتذة سنة 1950. في وسط الصورة يظهرا لأستاذ "هاني" ومن بين التلاميذ الجالسين من اليمين: فوأد صفر ابن عمي أحمد ثم رفقائي في الدراسة محمد بودية ثم محمد المصمودي.......................................... امضاء مدير المعهد في تلك الفترة الأستاذ "فوجار' على شهادة الاستحسان للثلاثي الأول للسنة الدراسية 1951-1952. مضون ولاد تي يحمل اسم" محمد رشيد " وكان القيم العام تارة بستعمل على الوثاءق المدرسية اسم" محمد" وتارة اسم" رشيد". وانخرطت سنة 1951 في شعبة الطلبة والتلاميذ بصفاقس التابعة للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد ولم يطلب مني أن أتقلد في هيئتها أي مسؤولية. وكان أول رئيس لهذه الشعبة التلميذ أحمد شطورو 1 وهو من تلاميذ قسم الفلسفة وكان معه في نفس القسم مصطفى الفارسي,( سيصبح أديبا وكاتبا مرموق) وعبد السلام بن عياد ( سيصبح أول تونسي على رأس إدارة الميزانية في وزارة المال بعد الاستقلال) ومحمد شاكر( ابن الزعيم و شهيد الوطن الهادي شاكر وسيصبح وزيرا للعدل بعد تقلده العديد من المسؤوليات الإدارية العليا منها مراقبة النفقات العمومية) ومحمد بن إسماعيل( سيصبح أستاذ مبرز في الطب) والجيلاني البندالي ( وهو أصيل مدينة المهدية وسيصبح مديرا في بنك تونس) وكانوا جميعا يسبقوني بسنة في الدراسة.وبعثت الشعبة الخاصة بتلاميذ السنوات الأخيرة للمعهد الثانوي بصفاقس ولطلبة فرع جامع الزيتونة بتوجيه وإشراف من الزعيم الكبير وشهيد الوطن الهادي شاكر الذي أشرف بنفسه على جلسة عامة للشعبة ولما وقع تقديمي إليه قبل انعقاد الاجتماع فرح وقبلني قائلا: "أنت مثل إبني، والدك المرحوم كنت أكن له محبة كبيرة مثل جل الدستوريين وكنا جميعا نرنوا الى الاستماع الى أفكاره ونصائحه...لقد خسره الحزب وخسرته تونس..." وسالت الدموع من أعيني...وكانت في فترة شبابي ألطف وأصدق كلمات سمعتها تصدر بتلقائية من طرف مسؤول دستوري كبير عن والدي و بقيت حية في ذاكرتي... رحمك الله يا سي الهادي واسكنك فراديس جنانه مع كافة شهداء وطننا.....ولقد خسرت تونس رجالا عظماء في مقدمتهم فرحات حشاد و الهادي شاكر والدكتور عبد الرحمان مامي والدكتور الحبيب ثامر.... وشارك رئيس شعبة التلاميذ بصفاقس أحمد شطور في الاجتماع الشبابي التاريخي الذي انعقد في تونس في 26 فيفري 1952 بمدرسة صاحب الطابع نائبا عن الشعبة وعن معهدنا لتنسيق نشاط التلاميذ والطلبة في المرحلة الحاسمة من تحرير الوطن وقام بدور طلائعي في تنظيم التظاهرات التلميذة التي كانت مكثفة في صفاقس كمثيلاتها بسوسة وتونس وبنزرت وعدد كبير من المدن التونسية الأخرى. وسجن الرفيق أحمد شطورو مدة طويلة وبقي وطنيا صادقا و محاميا مثاليا يشرف الحركة الوطنية التونسية وأمثاله من حسن حظ تونس عديدون... ونشطت كذلك في جمعية الكشاف المسلم التونسي في صفاقس في السنوات الأولى فقط من قدوم إلى هذه المدينة التي بقيت أحمل أجمل ذكريات عنها وعن أهلها( وهي الجمعية التي ستعرف تحت اسم الكشافة الإسلامية التونسية في بداية الخمسينيات) وأصبحت عميد طليعة مع قائد الفرقة الكشفية توفيق غربال ( كان معين فرقة سنة 1945 واصبح قائد فرقة سنة 1946 ثم بعد الاستقلال أصبح مهندسا) وكان نادي الفرقة في برج"باب الديوان" بمدخل المدينة العربية المطل على المدينة الجديدة وكان المسؤول على قسم الاستكشاف في تلك الفترة باقليم صفاقس -اذا لم تخني الذاكرة- القائد عبد المجيد بعبع صاحب الابتسامة الدائمة والروح الخفيفة. وقمنا بمخيمات ورحلات عديدة أتذكر منها بالخصوص مخيم كبير في عطلة الربيع بواحة قابس في سنة 1848. وقد تداول على قيادة اقليم صفاقس في تلك الفترة كل من القائد الحبيب الشعبوني والقائد توفيق السلامي ولكن لم أتعرف عليهما الى في الخمسينيات عندما انتقلت الى العاصمة لمواصلة تعليمي العالي.وبعد أن أنهيت تكويني الكشفي في الفرقة الكشفية بصفاقس وبلغت سن السابعة عشرة أقترح عليا قائد فوج المهدية للكشافة الإسلامية التونسية المرحوم ساسي رجب أن أتولى قيادة "فريق الطاهر صفر" للجوالة بالمهدية في صيف سنة 1950. ترددت في البداية لقلة خبرتي بخصوصيات قسم التجوال ولصغر سني النسبي ولكن قائد الفوج ألح عليا وشجعني قائلا: "أنا في الحقيقة موفود من طرف كافة أفراد الفريق الذين عبروا عن رغبة ملحة لتكون قائد الفريق الذي يحمل اسم والدك وستجد منهم كل العون ويمكنك الاعتماد على خبرة القائد سالم بوعروة و مساعده على مسعود والحبيب بالحارث وغيرهم..." . فريق الطاهر صفر الذي كان قائده الأول الأخ المرحوم سالم بوعروة وقد شارك في هذا الفريق عشرون من شبان المهدية وهم على التوالي: علي بن محمد بن مسعود وهو فلاح وكان مساعدي الأول في قيادة الفريق بعد أن كان مساعد القائد سالم بوعروة و سالم بن محمد مغروم كان كشاف في جمعية المكارم وانتقل إلى الكشافة الإسلامية التونسية منذ انبعاث الفوج في المهدية وكان تلميذا والحبيب بن على بلحارث وكان طالبا بجامع الزيتونة ومولع منذ صغره بالمسرح وأحمد بن علوان البديري وكان نساجا وعلية بن محمد صفر وكان يعمل في مصلحة الأشغال العامة والحبيب بن خليفة منصور وكان سائق شاحنة وحسن بن أحمد الفقيه حسن وكان طالبا بالزيتونة ومحمد بن حسن خليفة النقش وكان بناءا ومحمد أحمد التومي وكان نساجا وحسين بن علي فرج وكان نساجا وعلي بن سالم الزوالي وكان بحارا ومحمد بن محمد الترعي وكان طالبا بالزيتونة ومصطفى الموجباني وكان تلميذا والطاهر برغل وكان عاملا يومي والناصر بن الطيب الشوباني وكان تلميذا ومحمد بن أحمد صفر العقربي وكان بحارا وعبد الحميد بن محمد عبد الواحد وكان تاجرا اسماك ومحمد بن محمد صفر العقربي شهر " خويا العزيز"وكان حدادا و بحارا وعلى بن محمد بن جنات شهر" العربي" وكان نساجا وقد قام كل منهم بواجبه حسب ما أملاه الضمير - و قد نسق أعمال الفريق والمقاومة الأخ على مسعود خصوصا بعد إعتقال قاءد الفوج ساسي رجب و مساعده سالم بوعروة- و كل من موقعه وحسب إمكاناته عندما اندلعت معركة تحرير تونس الحاسمة في جانفي 1952 وأقف للبحث عدد كبير منهم وسجن جلهم من بضعة أيام عند مشاركتهم في المظاهرات إلى أكثر من سنة. فريق "الطاهر صفر" للجوالة التابع للكشافة الاسلامية التونسية يقوده رشيد صفر ويظهر في الصورة وهو يدير رأسه للتأكد من حسن سير رفقائه. و كان ذلك سنة 1950 بالمهدية في شهر أوت استعدادا لاستقبال الزعيم الحبيب بورقيبة الذي أقام بها بضعة أيام للاتصال المباشر وإعداد المناضلين و المواطنين للمعركة الحاسمة وتجول بالمهدية و بقصور الساف والجم والشابة والسواسي وشربان وقد رافقه فريق الجوالة في جل زياراته. صورة نادرة لزيارة الزعيم الحبيب بورقيبة الى المهدية في أوت 1950 ونشاده وهو داخل إلى منزل السيد أحمد بن حمادة الذي يستقبله بالبهو ومعه ابنه صلاح الدين بن حميدة و وراء الزعيم نلاحظ المناضل محمد المصمودي بالنظارات السوداء والى جانبه رئيس شعبة المهدية في تلك الفترة السيد محمد بن الحاج على حمزة. وشاركت لتأهيل نفسي في مخيم تدريب لقادة فرق الجوالة في عطلة الربيع في سنة 1950 بمركز الشباب بئر الباي المتواجد بجنوب مدينة حمام الأنف. وأديت قسم أو بالأحرى عهد التجوال في نهاية نشاط نار المخيم تحت قيادة القائد توفيق السلامي ( النمر) وخرجت في خشوع من المركز في منتصف الليل حاملا جرابي مترجلا نحو مدينة حمام الأنف. وعدت إلي المخيم في اليوم الموالي حوالي العاشرة صباحا بعد أن قمت بحسنة كشفية أرضت ضميري . كانت هذه المشاركة أول فرصة أتعرف فيها على القائد النمر الشهير لدى كشافي الجمعية وأصبحت منذ ذلك الوقت أكن له تقديرا صادقا وعميقا. لم يسعدني الحض للتعرف على القائد الفذ المنجي بالي الذي توفي سنة 1948 وهو صغير السن بعد أن أرهق نفسه في سبيل رفع وتطوير نشاط الجمعية التي تحمل عبء قيادتها العامة. وحدثني القائد توفيق السلامي بإطناب كبير عن خصال القائد المنجي بالي وتفانيه وتضحياته في سبيل تربية وطنية سليمة للمنتمين لجمعية الكشاف المسلم التونسي التي ستصبح في ما بعد تعرف تحت اسم الكشافة الإسلامية التونسية وقد توسع نشاطها سنة بعد سنة بالرغم من قرار توقيف نشاط الجمعيات الكشفية التونسية من طرف السلط العسكرية الاستعمارية سنة 1952 بعد أن ثبت لهذه السلط الدور الذي اضطلعت به في تكثيف أعمال المقاومة بمختلف أساليبها. وأصبح جل المنتمون للجمعية الغير الموقفين ينشطون قي نطاق السرية حتى ألغي التوقيف في سنة 1954 وبقيت الجمعية تحمل نفس الاسم حتى انجاز عملية توحيد الحركة الكشفية التونسية في السنة الأولى من استقلال تونس وذلك في غرة جويلية 1956 أي بعد حولي ثلاثة أشهر من أول عيد للاستقلال. اكتشفت في هذا المخيم الأول الذي شاركت فيه بمركز بئر الباي التنافر الغير سليم الذي كان متواجد بين الجمعيات الكشفية التونسية وخاصة بين الجمعية التي أنتمي إليها وجمعية " كشاف تونس" التي كان يشرف عليها بالخصوص السيد مصطفى النابلي الذي كان في نفس الوقت يشغل منصب مساعد لرئيس مصلحة الشاب والرياضة الفرنسي "بورنيكال". "بورنيكال" كان في تلك الفترة يسعى جاهدا لعرقلة نشاط جمعية الكشافة الإسلامية التونسية بشتى الوسائل. وكان مساعده في تلك الفترة السيد مصطفى النابلي يشغل في نفس الوقت منصب مدير لمركز بئر الباي وكان نائبه في هذه المهمة والمقيم الدائم بالمركز يدعى السيد المعتمري. لاحظت بنفسي تصرفات غير لائقة من طرف السيد مصطفى النابلي بالنسبة لتوزيع أماكن التخيم والإقامة في المركز التي كانت دائما تميز " كشاف تونس"على جمعيتنا. وأذكر هذا الصنف من التصرف على سبيل المثال... وكنا نجد في جمعيتنا من مساعد مصطفى النابلي المدعو السيد المعتمري المعاملة الحسنة والاعتذار عندما تكون الأمور تتجاوزه إذ هي ناتجة عن أوامر رئيسه النابلي. و كان لهذا السلوك لمدير المركز --الذي كان غالبا عندما يتجول في المركز يمر أمام مخيماتنا مسرعا،متكبرا، لا يرى من واجبه زيارتنا و لا تحيتنا ولا حتى السؤال عن ظروف إقامتنا-- أسوء الأثر على انطباعات بعض القادة وبعض الكشفيين المنضوين تحت مختلف الجمعيات. ونتجت عنه مواقف وصراعات تتنافى مع القيم الكشفية. وتألمت كثيرا من هذا الوضع المتناقض مع جوهر التربية الكشفية. لم أكن في تلك الفترةعلى علم بتفاصيل محاولات توحيد الحركة الكشفية التي بذلت في الأربعينيات من القرن العشرين ولكن حدثني عن بعض جوانب منها القائد عبد الرزاق شطا بمناسبة زيارته للمهدية في شهر جويلية من سنة 1950. كما حدثني عبد الرزاق شطا بهذه المناسبة عن تطور الحركة الكشفية في بلادنا بالخصوص منذ سنة 1930 الى سنة 1950..وكانت الروايات التي بلغتني عن طريق عبد الرزاق شطا مطابقة لما ورد عن لسان القائد توفيق السلامي. وبالنسبة لبعث "التجوال الأعلى" في صلب الكشاف المسلم التونسي ثم في صلب الكشافة الاسلامية التونسية ومساهمته في الكفاح الوطني كان ما رواه لي عبد الرزاق شطا مطابقا تماما لما ورد في كتاب القائد حامد الزغل " شباب الثورة" بالنسبة لفترة الأربعينيات وخاصة بالنسبة للمجهودات المرموقة التي بذلت لتحرير و طبع وتوزيع الجريدة السرية " الكفاح" المشهرة بفضائع الاستعمار في وطننا. و كان المجهود مبذول بفضل جسارة قادة التجوال اللذين تحملوا المسؤولية التي يمليها الضمير بجرأة ونجاعة أضجرت السلط الاستعمارية سنة 1946. لقد أبلا الرواد هكذا في قسم التجوال البلاء الحسن في سبيل الوطن بالخصوص في الأربعينيات ومهدوا الطريق وقدموا لنا أحسن مثال للفترة الحاسمة التي انطلقت في18 جانفي 1952 والتي كان فيها لقسم التجوال في جمعية الكشافة الاسلامية التونسية دور مشرف.. صورة للقيم رشيد صفر سنة 1955 في بهو بيته بمبيت المعهد الثانوي بقرطاج وهو يطالع كتابا في الاقتصاد. صورة لفريق الطاهر صفر في ملتقى الجوالة بغابة " المريدج" بعين دراهم : جولية 1950.الجالسون: رشيد صفر – سالم مغروم- الحبيب منصور-محمد التومي- الواقفون: الصف الأول: علي مسعود- الناصر الشوباني- محمد التركي-علية صفر-الهادي العقربي- حسين فرج- محمد العقربي- - (تصوير مصطفى الموجباني) المنجي بالي القائد العام الميثالي للكشافة. "معلم تذكاري بساحة برسلونة بتونس" سخر المنجي بالي حياته لترسيخ التربية الكشفية الصحيحة في البلاد التونسية. القيادة العامة لجمعية الكشاف المسلم التونسي بعد وفاة القاءد العام المنجي بالي. الثالث من اليمين القائد العام توفيق السلامي الذي خلف المنجي بالي لمدة سنة. الجالس في الأمام القائد الفذ الهادي السافي الذي سيتولى إدارة المركز الوطني لتكوين إطارات منظمات الشباب " بئر الباي" منذ ماي 1956. صورة لجدول المشاركين من" فريق الطاهر صفر" في ملتقى التجوال بغابة المريدج بعين دراهم في أوت 1950: 1جزء من وثيقة بها بعض أسماء من جوالة فريق الطاهر صف صورة لمدخل مخيو فريق جوالة المهدية في ملتقى عين دراهم أوت 1950. يظهر في الصور ة القائد سالم مغروم. القائد الهادي السافي 1923-1998 تحمل القيادة العامة للكشافة الاسلامية التونسية سنة 1948 و تقلد مسؤولية إدارة المركز الوطني لتكوين إطارات الشباب " بئر الباي" بتونس من ماي 1956 إلى اكتوبر 1986 صورة لفريق الطاهر صفر سنة 1950 وشارك هذا الفريق بقيادتي في عدد من المخيمات الكبرى من بينها الملتقى الكشفي الوطني بغابة " الميريدج" بعين دراهم الذي قاده في صيف سنة 1950 القائد العام للجوالة في جمعية الكشافة الإسلامية التونسية زكرياء بن مصطفى وحضر فيه طيلة يوم كامل الزعيم النقابي الوطني الشهيد فرحات حشاد لتغذية المشاركين بروح التضحية الوطنية وتلقيننا مختلف سبل و أساليب الكفاح لتحرير وطننا من الاستعمار وإنقاذ شعبه من الاستغلال. وكانت فرصة فريدة في تلك الفترة تعرفنا فيها عن كثب ببطل فذ وزعيم نقابي و وطني من أعلى طراز يجمع في شخصيته كل الخصال: الأخلاق العالية وعمق في التفكير مع القدرة على مخاطبة والنفاذ إلى العقول والقلوب على حد السوي. تعلقنا به بتلقائية نادرة وأحببناه من الوهلة الأولى ولمسنا فيه من خلال اليوم الذي قضاه معنا (وكنا جميعا حوالي ألف جوال من مختلف جهات الوطن) الصدق والنزاهة والاتزان مع قوة الإرادة النفسية التي كانت فيه بارزة، جلية، وضاءة، وجذابة.....شخصية فذة أقدمت ببسالة على الاستشهاد للتعجيل باستقلال وطننا....وإنعتاق شعبنا و معه كافة شعوب المغرب العربي...وسيبقى حشاد خالدا في ضمائر الأجيال المتتالية على مصير بلدان المغرب العربي يذكرهم بواجباتهم لتحقيق التكامل ألمغاربي المصيري.. أعددت الفريق للمساهمة في ملتقى " الميريدج" بعين دراهم بتنظيم مخيم تدريبي في ضاحية المهدية في شهر جويلية دام أسبوعا كاملا. وقد زارنا موفود من القيادة العامة للجمعية بالعاصمة القائد عبد الرزاق شطا وقضى معنا بالمهدية ثلاثة أيام كانت مناسبة للتعارف ولإفادتنا بخبرته العالية في مختلف أنشطة قسم التجوال. ثم غادرنا المهدية للالتحاق بعين دراهم صباح يوم 31 جويلية 1950على متن الحافلة التي أقلتنا إلى مدينة سوسة أين أمتطينا القطار الذي أوصلنا إلى العاصمة. قضينا الليل في نادي الجمعية بنهج بوخريض ثم أخذنا في الصباح القطار في اتجاه مدينة "سوق الأربعاء" المسماة جندوبة حاليا. ومن جندوبة سرنا مترجلين حتى قرية "فرنانة" التي تبعد حوالي عشرون كيلومتر. وقضينا الليل في قسم من أقسام المدرسة الابتدائية بالقرية. ثم واصلنا السير في الصباح الباكر وبدأت الطريق تلتوي لتسلق الجبال وكانت غابة شجر الخفاف تزداد كثافة وروعة تحمينا من حرارة الشمس التي تسارعت أشعتها للحلاق بنا. وكانت تفصلنا عن مكان المخيم حوالي عشرون من الكيلومترات اجتزناها في جو منعش تتخلله الأناشيد المتنوعة وخرير مياه العيون العذبة المتدفقة على طول الطريق وزغردة الطيور وكأنها مرحبة بنا ...وصلنا مكان المخيم حوالي منتصف النهار يوم الثاني من شهر أوت وكنا من بين أول الفرق التي دخلت المخيم في الوقت المحدد. كان القائد زكرياء واقفا أمام خيمة قيادة المخيم..أمرت الفريق بالتوقف واتجهت إليه بتحية كشفية -وكانت أول مرة ألتقي به ولا أعرفه ألا من خلال صور مجلة الجمعية-... فقدمت نفسي ثم قدمت له أعضاء الفريق.فرحب بنا شاكرا الجميع على احترام الوقت وسألنا عن ظروف سفرنا من المهدية حتى وصولنا إلى المخيم, ثم كلف أحد مساعديه لإيصالنا للخيمة المخصصة لفريق المهدية ولمدنا ببرنامج الملتقى الذي تواصل حتى اليوم العاشر من شهر أوت.أهم ما بقي راسخا في ذاكرتي عن فعاليات هذا المخيم هي بدون منازع في المرتبة الأولى المحاضرة الصباحية والمحاضرة المسائية التي غذانا بهما الشهيد فرحات حشاد ثم في المرتبة الثانية "المخطر الصعب" الذي قمنا به خارج المخيم طيلة أربع وعشرون ساعة يوم 5 أوت على مقربة من الحدود الجزائرية. ثم نار المخيم ليلة الوداع 10 أوت وكانت مشفوعة بتوصيات قائد المخيم لبرمجة نشاط السنة القادمة 1950-1951 والإعداد والتكوين والاستعداد للإسهام كل من موقعه في متطلبات تحرير الوطن طيلة السنوات القادمة. وكان هذا الملتقى مناسبة عزيزة وثمينة وبالغة الأهمية للتعرف والتعارف على أخوان أعزاء من مختلف جهات الوطن من شماله إلى أقصى جنوبه في قسم التجوال من العاصمة تونس من بنزرت من سوسة من صفاقس من قابس من القيروان... نخبة من شباب كافة مدن الوطن كانت متواجدة....نخبة تجمع تلاميذ الثانوي والعالي, المدرسي والزيتوني , الفلاح والبحار, المعلم والبناء...نخبة رائعة...نخبة مستعدة...نخبة واعية وملتحمة من مختلف شرائح المجتمع التونسي...وقادة مثاليين و ملتزمين بالقيام بالمهام المنوطة بعهدتهم بجد وكفائة واخلاص: زكرياء بن مصطفى.عبد الله الزواغي, محمود بالحاج صالح, توفيق الصيد,الحبيب بن غربية, عبد المجيد شاكر,توفيق السلامي, رضى السلامي, التوفيق الصامت, محسن القلال,آسيا الغلاب, راضية الكناني بالخوجة, فاطمة بوخريص, محمود الحشيشة, محمد حفصة, أحمد بن الأسود, حامد الزغل , محمد شاكر.الحبيب قرفال, التيجاني الكتاري, الطاهر درغوث وزوجته ليليا, سليم بن مضطفى وزوجته خديجة, عبد الستار العجمي,عبد الحميد الأسود, أحمد الشاوش,ابراهيم منصور, محمد التريكي, البشير العريبي, عزالدين الفراتي, رشيد رحومة, عبدالعزيز التريكي, الهادي التميمي, ,عبد المجيد عطية وزوجته حليمة, العروسي بن براهيم, نور الدين الفقيه...... كل كانت له ميزاته وخصائص شخصيته والجميع يلتقي في صفاء وعمق التعلق بالوطن والاعتزاز بالانتماء لتونس دون سواها مع الطوق للحوار الصريح والحث على التآخي مع الآخر- وان كان اجنبيا- على أساس الاحترام المتبادل والندية الحقة. تميزت في ملتقى "المريدج " للجوالة بعين دراهم عديد من الفرق التي كانت لها عراقة في الالنشاط الكشفي أشمل و أكبر من فريق المهدية الفتي مثل فريق الأول للجوالة بالعاصمة الذي كان يقوده القائد محمود حميدة. وقد أصدر هذا الفريق اثناء الملتقى نشرية يومية بعنوان " ملتقى الأفكار" وحرر قائد الملتقى زكرياء بن مصطفى افتتاحية العدد الأول والعدد الأخير من هذه النشرية: وقال زكرياء في اليوم الأول:2 أوت1950: "أخي- هذا يومك الأول في الملتقى, لقد غادرت بلدك وأهلك وذويك لتأتي إلي هنا....ولربما فوت لذلك مصالح وتركت مآرب, فهل تأمل أن تعود من الملتقى بشيءمفيد؟ أم هل فوت مصالحك وتركت مآربك عبثا؟ فإن كان جوابك هو الثاني فخذ جرابك يا صديقي وعد من حيث أتيت. إن وجودك هنا لا يليق. وإن كان جوابك هو الأول فها إليك نصيحتي, ستجد بهذا المخيم إخوانا من الشمال وإخوانا من الجنوب وآخرون من شرق البلاد وغربها وسطها فاقترب منهم وتعرف إليهم إن كان كل واحد من هؤلاء يقصد الغاية التي تقصدها أنت ويسلك الطريق التي تسلكها فليكن هذا الملتقى إذا ميدان تعارف بينكم وتقارب وتحابب حتى يكون عملكم لتونس بلادكم وللاسلام أنفع." ثم قال القائد زكرياء في اليوم الأخير: 10 أوت 1950:" الحمد الله- هذا يومنا الأخير في الملتقى, وقد طلب مني الأخ محمود حميدة أن أكتبله بعض الأسطر ولسبت ادري فيما أكتبها؟... إن نصيحتي إليك أن تكون قويا....وأن تمشي في طريق قويم فلا توقفك زهراته ولا تزل قدمك حصاته.....أناشدك الله أخي أن تعمل دوما لفائدة هذاالشعب المظلوم . فرجائي أن تكون في مخيماتك وجولاتك رسول رحمة واغاثة , تفتش عن إعانة تبذلها أو عن مظلوم تناصره أوجريح تعالجه أو جاهل تعلمه أو بائس تبعث فيه الأمل من جديد...كما أرجوكم جميعا أن لا تعولوا على أجنبي لإغاثة هذا الوطن المفذى...فليكن إعتمادنا بعد الله علينا وعلى سواعدنا فحسب" والقاري بدون شك يدرك جسامة الرسالة والمهمة التي حملها زكياء في هذه الاسطر والموحهة من خلال المشاركين في الملتقى إلى كافة الجوالة المنضوين تحت لواء الجمعية وخاصة بعد استماع المشاركين في الملتقى إلى المحاضرتين المشفوعة بحورا مكثف التي كان الشهيد فرحاد حشاد قد شحذ بها العزائم وأناربها سبل النضال الوطني في الملتقى طيلة اليوم الكامل الذي قضاه معنا في غابة عين دراهم. من اليمين الى اليسار:الزعيم الوطني والنقايي الشهيد فرحات حشاد رفقة القائد زكرياء.( أوت 1950 ) في غابة عين دراهم. ومن خلفهما القادة: محمد الصيد ( القيروان) و عبد المجيد علمية( بنزرت). و قام فريق "الطاهر صفر" في صيف سنة 1951 بمخيم متجول في منطقة الوطن القبلي بقيادتي ودام المخيم من يوم 15جولية إلى 25 جولية 1951وقد تمكن القائد سالم مغروم من مدي بنسخة – احتفظ بها- من التقرير الأدبي لهذا المخيم الذي شارك فيه جل أعضاء الفريق وكان الانطلاق من المهدية على الساعة الرابعة صباحا على متن حافلة تابعة لشركة النقل المحلية و صل الفريق إلى مدينة نابل بعد حوالي خمس ساعات وقد استقبلنا أثناء وقفة قصيرة في عاصمة الوطن القبلي قائد فوج نابل القائد محمد الصفاقسي بحفاوته المعهودة وعدناه باختتام المخيم بمدينة نابل كما هو مسجل بالبرنامج وانطلقت الحافلة بنا إلى بلدة منزل تميم التي مثلت منطلق المخيم واستقبلنا شباب منزل تميم بحماس فياض خاصة وقد أبدع الحبيب بالحارث، بمجرد أن نزل الفريق من الحافلة بتقديم باقة من الأناشيد الوطنية جعلت شبان منزل تميم يهرولون نحونا ملتفين بالفريق حتى غص الشارع و أصبح الجميع يهتف "تحيا تونس" و من ابرز الأنشطة في هذه المرحلة الأولى كانت "دراسة الوسط" التي قام بها الفريق حول موضوع " الفلاحة والسوق الأسبوعية ودوراهما في حياة منزل بوزلفة" وقدمت نتائج هذه الدراسة الميدانية مباشرة في سهرة الليل بمشاركة عدد من مواطني وشباب البلدة الذين ساهموا في النقاش وفي الإضافات القيمة. وطبقا للبرنامج انطلق الفريق صباح الغد في نشاط تطبقي يتمثل في رسم خريطة البلدة وحوالي الساعة الثالثة تحول الفريق مترجلا إلى مدينة قليبة مرحلته الثانية وبمجرد بلوغنا مدخل المدينة من الشارع الرئيسي أمرت الفريق بالسير بالخطى المنتظمة وراء الجوال حامل العلم التونسي واخترت الأناشيد الحماسية التي سينشدها الفريق على التوالي طيلة مسيرته. وبدأ بنشيد "يا أسود الشرى". وكان استعراض رائع للفريق تجاوب معه بسرعة مواطنو المدينة وخاصة الشباب منهم ولكن في منتصف الطريق وبمجرد مرورنا أمام مركز "الجندرمة" الفرنسية أشار عليا أحد الأعوان بتوقيف الفريق والقدوم نحوه فتركت الفريق يسير وينشد و توجهت نحو العون وخاطبه بالفرنسية سائلا عن سبب طلبه. فقال " السير بالخطي العسكرية ممنوع ورفع العلم التونسي بمفرده ممنوع والاستعراض بهذه الطريقة يتطلب رخصة". وأردت ربح الوقت حتى يتقدم الفريق ويقترب من وسط المدينة فقلت له: " أعتقد أنكم متشددون أكثر من اللازم بالنسبة لاستعراض بسيط لفريق وحيد واني أريد أن تسمحوا لي بمخاطبة رئيسكم للاسترخاص منه." ودخلت مباشرة المكتب و العون ورائي ووجدت عونا آخر شرحت له وجهة نظري ولكنه أظهر تشدد أكبر من العون الأول. وأمام الإصرار " قلت سألتحق بالفريق وسنوصل دخول المدنية بمسيرة عادية". وتقدم فعلا الفريق في السير ولم التحق به إلا وقد أشرف على وسط المدينة و وقد تحقق المرغوب وتجمهر المواطنون حولنا وفي مقدمتهم قائد الجوالة بقليبية الشهيد حمادي الغربي، رحمه الله رحمة الشهداء الأبطال. وقد أعد لنا الأخ حمادي لإقامتنا مبنى قرب ميناء الصيد البحري وسهل لنا أعمالنا اثر إقامتنا يومين كاملين قضاها معنا وترك لنا جميل الذكريات بالخصوص عن تواضعه وتفانيه للحركة الوطنية والكشفية بأريحية كبيرة. وبمناسبة ذكر الشهيد حمادي الغربي أريد التعبير عن أسفي في ما أعتبره تقصيرا في إحياء ذكرى شهداء الكشافة التونسية في معارك تحرير وطننا من المستعمر...وكم كنت سعيدا عندما طالعت في عدد شهر سبتنبر2009 للنشرية " دائما مستعد" نص المحاضرة التي ألقاها الأستاذ الحبيب الجنحاني بمناسبة انعقاد المؤتمر الخامس للاتحاد العربي لرواد الكشافة والمرشدات المنعقد بتونس . وقد اختتم الأستاذ الجليل محاضرته قائلا:" إنني حريض في نهاية هذه الكلمة أن أذكر ان الحركة الكشفية العربية دعامة أساسية من دعائم المجتمع المدني وقد قدمت قائمة طويلة من الشهداء في معركة التحرير الوطني أذكر منهم قائدا عرفته عن كثب هو الشهيد حمادي الغربي اغتالته أيدي غلاة الاستعمار في مطلع الانتفاضة المسلحة للشعب التونسي سنة 1952. ونظم فريق الطاهر صفر "مخطر صعب" بقليبية حول قلعة عتيقة في ربوة قرب الميناء كانت مستعملة من طرف "الجندرمة" الفرنسية.كما نظم الفريق نار المخيم بحضور جموع غفيرة من المواطنين في كل من مدينة منزل بوزلفة و مدينة قليبة وبلدة حمام الغزاز و قرية الهوارية. وقد حضر نار المخيم في حمام الغزاز القائد العام عبد الله الزواغي مرفوقا بأمين مال الجمعية القائد محمود بالحاج صالح في نطاق زيارتهم المفاجئة لتفقد نشاط الوحدات الكشفية التي كانت ترسل مسبقا ببرامج نشاطها إلى القيادة العامة. وقدم في تلك الليلة حول نار المخيم الحبيب بالحارث مع عدد من رفاقه الجوالة عرضا مسرحيا يندد بالاستعمار ويشهر باستبداده على الموطنين العزل ونال العرض استحسانا كبيرا وتجاوبا قويا من طرف مواطني حمام الغزاز المشهورين بوطنيتهم الصادقة. وزار هذا المخيم المتنقل كذلك قائد فوج المهدية ساسي رجب وذلك يوم 22 جولية 1951 على الساعة الرابعة مساءا. وألقى الأستاذ صالح الأنقليز من مواطني مدينة قليبية أمام الفريق أثناء سهرة من سهراته محاضرة مشفوعة بحوار عنوانها بليغ المعاني: " يقولون ما لا يفعلون" وكانت المحاضرة محل استحسان الجميع. صورة لبعض أفراد فريق الطاهر صفر صحبة ابناء الشيخ محمد بن زينب اثناء المخيم المتنقل في الوطن القبلي جويلية 1951.من اليمين الى اليسار: رشيد صفر- الهادي بن زينب- الحبيب بن زينب- الحبيب بلحارث( بالنظارات) -عبد الوهاب بن زينب- الطيب بن زينب-محمد الرمادي- أحمد حمزة- علية البكوش- وسالم مغروم. ولم أتمكن من المشاركة في المخيم التدريبي الذي قاده قائد قسم التجول في تلك السنة القائد عبد المجيد شاكر بمركز بئر الباي في صيف سنة 1951 وأوفدت مساعدي القائد علي مسعود. وقد تمكن ب فضل هذه المشاركة من التعرف على عدد كبير من القادة منهم العروسي بن براهيم وعيد الستار العجمي. صورة لبعض الكشافين من فوج المهدية سنة 1951- من اليمين الى اليسار الواقفون:حسن عبد الكريم-محمد الرمادي- رشيد صفر- محمد البندالي- ساسي رجب ( وهوقائد فوج المهدية لجمعية الكشافة الاسلامية التونسية منذ تأسيسه سنة 1949 حتى توحيد الجمعيات الكشفية سنة 1956)- علية البكوش- سالم مغروم صورة للقسم الذي إنتمى إليه رشيد صفر بالمعهد الثانوي بصفاقس في السنة الدراسية الأولى " القسم السا دس نظام تونسي". 1946-1947 الجالسون من اليسار محسن السلامي و محمد بوراوي...الصف الثاني محمد المصمودي ثم ......ثم .سحنون ثم كسكاس ثم ....ثم مغيث ثم يعيش ثم.... الصف الثالث.........ثم بوعتور ثم.......ثم قطاطة ثم الحيلي........الصف الاخير صفر ثم الفقيه ثم....ثم......ثم بودية ثم....ثم كمون. وشاركت كممثل عن فوج المهدية صحبة ساسي رجب والحبيب بالحارث في المؤتمر السنوي الرابع للكشافة الإسلامية التونسية المنعقد بمركز الشباب بئر الباي ( جنوب مدينة حمام الأنف) من 15 إلى 17 سبتمبر 1950 وكنت مع عدد من القادة مبتهجا بزيارة عدد من زعماء الحركة الوطنية إلى المؤتمر و في مقدمتهم الحبيب بورقيبة ولكني عبرت عن استائي، مع عدد من رفقائي، بمناسبة زيارة محمد الأمين باي لأني بقيت متأثرا بخذلانه للباي الشهيد المنصف و كنت أعتبره ناقضا للعهد .و بعد هذه المشاركة الأولى في مؤتمر المنظمة الكشفية ساهمت في أشغال بقية المؤتمرات حتى مؤتمر توحيد الجمعيات الكشفية بعد استقلال الوطن. كما شاركت في المخيم المتنقل لقادة قسم التجوال في صيف 1955 بقيادة قائد قسم التجوال في تلك الفترة التيجاني الكتاري وبمشاركة حولي أربعون من كبار قادة القسم وأتذكر من بينهم بالخصوص قادة أفذاذ من بينهم توفيق السلامي والهادي التميمي والحبيب قرفال والعروسي بن براهيم وتوفيق الصيد. وتمت أثناء هذا المخيم المتنقل زيارة جل المدن التونسية من شمال البلاد إلى جنوبه وعقدت حلقات تدريبية وحوارية مع كافة الجولة في كل مدينة و عند مرور هذا المخيم المتنقل من المهدية سخر قائد فوج المهدية ساسي رجب لاستضافة وإقامة كافة المشاركين "دار بن رمضان" الواقعة في شمال قرية " رجيش" على الشاطئ البحر واستقبلنا القائد نجار بن رحومة في مدينة قابس استقبالا رائعا ونظمنا مسامرة ليلية في صحن دار الإقامة دامت أكثر من خمس ساعات استعجمنا فيها إلى محاضرة حول تاريخ المدينة وأخرى على اقتصاد الجهة ككل. و تناولنا بالنقاش الصريح الخطوات الايجابية التي قطعتها تونس في تلك الفترة لترسيخ تحررها المرحلي من المستعمر مفندين بموضوعية ادعاءات النزعة "اليوسوفية". وأتذكر كذلك مشاركتي مع عدد من قادة التجوال في تأطير المخيم التدريبي الذي نظم بقرار من الديوان السياسي للحزب لأعداد حوالي مئة شاب وقع اختيارهم من بين الجوالة ومن بين الشبيبة الدستورية من مختلف جهات البلاد حتى تكون النواة الأولى لقوى الأمن التونسية والحرس الوطني استعدادا لمرحلة انتقال المصالح الأمنية إلى التونسيين. وانتظم هذا « المعسكر " في شهر سبتمبر 1955 قرب مدينة "أوتيك" في ضيعة فسيحة وضعها صاحبها عبد العزيز بوجمعة على ذمة الحزب وقاد هذا التدريب قاءد قسم التجوال في جمعية الكشافة الاسلامية التونسية التيجاني الكتاري بمساعدة عدد من قادة التجوال من بينهم توفيق السلامي والحبيب قرفال و رشيد صفر والهادي التميمي ووجهنا عناية كبيرة أساسا للتكوين التطبيقي وكنت مكلفا بالخصوص بالتدريب على قراءة واستعمال الخرائط العسكرية.واستعانت قيادة المعسكر بمحاضرين كانوا يقدمون من العاصمة كل يوم لالقاء دروس في القانون الإداري التونسي وفي القانون المدني وفي الشؤون السياسية وكان من بينهم بالخصوص الأساتذة حسين غويل والحبيب بولعراس و جميس الحجري وغيرهم... مظاهرة 19 فيفري 1952 أمام قنصلية اليونان بصفاقس. ومع انطلاق المرحلة الحاسمة لمعركة تحرير تونس من المستعمر الفرنسي تحت قيادة الحزب الحر الدستوري الجديد ابتدءا من 18جانفي1952 شاركت مع رفقائي في المعهد الثانوي المعروف في تلك الفترة بالمعهد " الكلاسيكي" بصفاقس في جل الإضرابات الطلابية والمظاهرات الاحتجاجية والإضراب عن الطعام سواء بالمبيت في المعهد الفني أو بالجامع الكبير داخل المدينة العربية.. وكانت جل التحركات منظمة مباشرة أو بإيعاز من طرف هيئة الشعبة الدستورية للطلبة والتلاميذ والتي كان يشرف على رئاستها في تلك الفترة التلميذ في قسم الفلسفة أحمد شطورو. وكانت المعلومات تنتشر في أوساط التلاميذ من فرد إلى آخر داخل كل قسم "بالهاتف العربي" كما يقال باللهجة العامة. وأتذكر كيف نجوت من الاعتقال في المظاهرة التي نظمت من طرف تلاميذ معهدنا يوم الثلاثاء 19 فيفري 1952 أمام قنصلية اليونان قرب نزل الزياتين في المدينة الجديدة, المدينة الأوروبية وقرب الحديقة العمومية وكانت زميلاتي في الدراسة الآنسة " ناتاف إيميلي" « Melle Nataf Emilie » مع صديقاتها على حافة الطريق تنظر إلى المظاهرة والتلاميذ يصرخون بالفرنسية " الاستقلال لتونس" حرروا السجناء" "يسقط الاستعمار" ولما قدمت سيارات الأمن ونزل الأعوان ببنادقهم يركضون نحو التلاميذ لتشريدهم ضربا بمؤخرات البنادق معتقلين عدد كبير منهم, صاحت " ناتاف" منادية " يا رشيد" فالتفت إليها وسارعت نحوها وقفت متحدثا معها ومع صديقاتها كأني من المتفرجين على المظاهرة ومرت فرق أعوان الأمن بدون أن تلتفت إلى مجموعتنا. وكان وفد من التلاميذ قد تمكن قبل قدوم البوليس من الدخول إلى بهو القنصلية وتسليم رسالة إلى نائب القنصل تتضمن بالخصوص احتجاحا على سياسات القمع الفرنسية التي تمارس على الشعب التونسي. وقد طلب الوفد إبلاغ الرسالة إلى الحكومة اليونانية التي كانت في تلك الفترة ترأس مجلس الأمن لمنظمة الأمم المتحدة المتكفل بالنظر قي الشكوى التونسية...و قد تعرض عدد كبير من الرفاق إلى ضرب عنيف إنجرت عنه جروحا بليغة وتمكن الأمن من إيقاف حوالي ثلاثين تلميذ....و قررت شعبة التلاميذ بصفاقس تنظيم يوم 23 فيفري 1952 إضراب جوع نفذه عدد غفير من رفاقنا التلاميذ بجامع سيدي عبد المولى بالمدينة العربية وذلك إحتجاجا على إعتقال زملائنا المشاركين في مظاهرة 19 فيفري ودام الاضراب ثلاثة أيام كاملة وينام التلاميذ في المسجد...وكنت مع زميلي علي الحيلي أغادر المسجد في الوقت المناسب حتى نلتحق بالمبيت و نجنب نفسنا الطرد من المبيت ثم نعود في الصباح إلى المسجد حاملين معنا بعض القطع من السكر والحلوى حتى يقتات بها من كان في وضع صحي صعب و متردي.... وكنت في تلك الفترة -مع عدد من رفقائي من المعهد الثانوي الذين لا ينتمون إلى مدينة صفاقس_ اقيم في مبيت التلاميذ بالمعهد الفني بصفاقس لأن معهدنا " الكلاسيكي" لا يتوفر فيه مبيت.و أنجر عن هذه مظاهرة التاسع عشر من شهر فيفري اعتقال حوالي ثلاثين من التلاميذ كما بينت سلفا وخاصة بعض الأطفال الذين لم يتجاوز أحيانا سنهم لأثنى عشرة سنة.ووقعت محاكمة البعض منهم بالسجن بعشرة أيام مع خطية مالية واطردوا نهائيا من المعهد كما أطرد بقية التلاميذ الغير المعتقلين التونسيين, باستثناء التلاميذ المقيمين في المبيت, لمدة ثلاثة أيام مع تنبيه أخير قبل الطرد النهائي.و احتجاجا على هذه الأعمال الشنيعة ضد أطفال أبرياء أضربت عن العمل كل المتاجر المتواجدة في المدينة العتيقة. وتضامنا مع رفاقنا الموقوفين نظمنا فجئة في المبيت بالمعهد الفني إضرابا على الطعام و دخلنا قاعة المطعم كالعادة ولكننا بقينا مكتوفي الايدي واحجمنا عن الأكل وقدم مدير المعهد "جلبار باكي" وصاح طالبا أن يفسر له أحدنا سبب سلوكنا الذي كان يحدث لأول مرة في تلك الفترة. فوقفت وقلت له : " السيد المدير أننا قررنا الاضراب عن الطعام لنعبر عن احتجاجنا عن إعتقال رفقائنا من المعهد الكلاسيكي مطالبين بإطلاق سراحهم".فصاح غاضبا : " اريد ان يجيبني أحد من تلاميذ معهدي.." و بما أني من المعهد الكلاسيكي إعتبرني غير مؤهل لتعبير عن رغبة تلاميذ المعهد الفني...فوقف التلميذ يونس بن النصر شقير وهو من تلاميذ المعهد الفني وقال : " السيد المدير إن ما قاله لكم الرفيق رشيد صفر هو ما يخالج نفوسنا جميعا" وصاح المدير : "إذا كنتم لا ترغبون في الأكل فاخرجوا من القاعة"...و فقنا جميعا نحن التلاميذ التونسيون و خرجنا في ضجيج صارخ من القاعة التي لم يبقى بها إلا التلاميذ الفرنسيين..... بطاقة انخراط في شعبة " الطلبة" بجامعة صفاقس بإمضاء رئيس الشعبة أحمد شطورو احتفظ بها الأخ علي الحيلي مظاهرة يوم 4 مارس 1952 داخل ساحة المعهد. وفي يوم الثلاثاء 4 مارس 1952 وبالتحديد على الساعة العاشرة في وقت الاستراحة بساحة المعهد وقع بذكاء كبير اغتنام تواجد متفقدان عامان للتعليم الثانوي قدموا من فرنسا لإجراء تفقد دوري لأساتذة مادتي الفيزياء والكيمياء للقيام بتظاهرة صاخبة شارك فيها كافة التلاميذ التونسيين المتواجدين في المعهد و قد انسحب إلى داخل الأقسام التلاميذ الفرنسيين المذعورين والتي فاجأتهم المظاهرة كما فاجأت إدارة المدرسة والأساتذة والمتفقدان الذين بقوا ينظرون باهتين في هيجان التلاميذ وهم ينادون " يسقط لوسيان باي" وهو مدير إدارة العلوم والمعارف " حرروا المساجين" " تونس مستقلة". بدأت التظاهرية منذ أكثر من عشر دقائق لما شاهدت الأستاذ الفرنسي المختص في الفيزياء " للو " يشق بشجاعة الطلبة وهم يصيحون ويصرخون وينشدون حتى وصل إلى وسط الساحة حيث كان ازدحام الطلبة أشده وصاح في أذننا قائلا بالحرف الواحد: " قد عبرتم عن ما يخالج ضمائركم بالكفاية وحصلت الغاية. أرجوكم يا أبنائي أن تدخلوا الآن إلى أقسمكم. إن مدير المعهد الذي منع حتى لآن دخول الشرطة الملتفة الآن خارج المعهد سوف تتجاوزه الأمور.."وكانت فعلا النية من تنظيم المظاهرة اغتنام الفرصة للكشف وفضح سياسة القمع والتعبير عن مشاعر الشباب التونسي للمتفقدين الوافدين من فرنسا لا أكثر ولا أقل. و تناقلت كلمة الدخول إلى الأقسام من تلميذ إلى تلميذ آخر ودخلنا إلى أقسامنا. ولم تدخل الشرطة إلى ساحة المعهد بل بقيت خارجه مطوقة بالمعهد حتى هدأت الأوضاع. في منتصف النهار وقد انتهت الدروس وهب جميع التلاميذ للخروج وعندما كنت مع رفيقي علي الحيلي خارجا من باب الأساتذة شاهدت مدير المعهد واقفا أمام مكتبه يتحادث مع المتفدان ولما اقتربت أكثر سمعت أحد المتفقدين يقول للمدير وذلك باللغة الفرنسية طبعا: " عندما يبلغ الوعي في شباب شعب هذا المستوى ليس هنالك أي مبرر لبقاء حماية في وطنه" وخرجنا من الباب متجهين للمبيت لتناول الغذاء و لم استمع إلى تعليق المدير ( كان لنا ترخيص من الإدارة نحن المجموعة الصغيرة من التلاميذ المقيمين في مبيت المعهد الفني تمكنا من الخروج من باب الأساتذة لأنه يفتح مباشرة على الطريق المؤدي إلى المعهد الفني). وبالطبع أثلجت صدري هذه الجملة التي بقيت راسخة في ذاكرتي والتي استمعت إليها بمحض الصدفة. وما أحلى بعض الصدف.... بعد هذه المظاهرة وقع طرد كافة التلاميذ التونسيين الخارجين من المعهد ولم يبقى من التونسيين المجموعة الصغيرة المقيمة في مبيت المعهد الفني. مظاهرة يوم 8 مارس 1952 داخل مبيت المعهد الفني بصفاقس. وبمجرد أن علمنا بذلك تشاورنا مع رفقائنا التلاميذ التونسيين التابعين للمعهد الفني والمقيمين في المبيت وكان عددهم يتجاوز الثلاثون على صيغة التعبير على تضمننا مع رفقائنا المطرودين من المعهد الكلاسيكي. وفي مساء يوم السبت 8 مارس 1952 وقبل الصعود إلى قاعة المبيت في المعهد الفني نظمنا مظاهرة سلمية في ساحة المعهد الفني شارك فيها الأغلبية الساحقة للتلاميذ التونسيين المقيمين في المبيت تضامنا مع رفقائنا المعتقلين والمطرودين مطالبين بسراحهم وسراح الوطنيين المسجونين فاستنجد مدير المعهد الفني الفرنسي العنصري واسمه ( Bacquet Gilbert جلبار باكي ) - بالرغم من معارضة المقتصد المتصرف في المبيت " سلفان فرتانية Sylvain Fourtanier"- بالمراقب المدني " هانري قانتاس Guantes" المشهور بتهوره في مدينة صفاقس وقدم إلى المعهد المراقب المدني الفرنسي مصحوبا بشاحنتين من الجند ودخل المعهد والجند خلفه و صاح في المتظاهرين وتوعدنا بكل ويل وختم صياحه قائلا " أنتم حمقى ولا تعرفون فضل و مزايا فرنسا عليكم ولو فرضنا إنها تترككم يوما لحالكم فإنكم ستتقاتلون من اليوم الأول وتعم الفوضى وتنهار البلاد" ثم صاح في جنده " أرفعوهم" وانهال الجند ضربا عنيفا بمؤخرات البنادق على التلاميذ العزل الذين كانوا ينشدون نشيد الثورة " حماة الحمى" وهم يتلقون ضربات الجند و وقع حينها اعتقال كافة المتظاهرين في الساحة بعد حشرهم كالدواب في الشاحنات العسكرية وكان جل من يصعد إلى الشاحنة يتلقى ضربات البنادق. وأودعت هكذا مع رفاقئي السجن ومن بينهم صديقي علي الحيلي الذي فقد حذاءه من جراء شراسة المداهنة2. وكان الحيلي قد تدرج في نفس الأقسام التي مررت بها حتى السنة الدراسية 1951-1952 وكنا أحيانا نتنافس على المرتبة الأولى في بعض المواد مثل الإنشاء العربية والفرنسية إلا أن علي الحيلى كان متفوقا عليا بامتياز في الرياضيات واختار هكذا بالنسبة للجزء الثاني من البكالوريا اختصاص الرياضيات وعندما إلتحق بنا التلاميذ الفرنسيين في السنوات الأخيرة من الدراسة الثانوية كنت مع على الحيلي غالبا ما نتفوقوا عليهم في جميع المواد وحتى في اللغة الفرنسية. وأتذكر أن المدير الفوجار لم يتمالك يوم قدومه إلى القسم لتوسيع نتاءج الثلاثي الأول من السنة الدراسية من التوحه إلى التلاميذ الفرنسيين معاتبا وقاءلا : يؤسفني أن ألاحظ أنكم متأخيرين عن زملاءكم التونسيين حتى في مادة الانشاء الفرنسية. وأتذكر أن الاساذ المبرز للفرنسية لوسان أبتهج يوما بالانشاء التي قدمها علي الحيلي ومنحه عدد ممتاز 17و قال أنه لا يمنح مثل ذلك العدد إلا للكتاب العباقرة وقرأ لنا بصوت عالي كامل انشاء على الحيلي.... و كان كذلك من بين التلاميذ المعتقلين يوم 15 مارس1952 المختار الفيتوري ( الذي كان في قسم الفلسفة يسبقنا بسنة دراسية و أصبح في ما بعد طبيب أطفال) وحسن جراد (وجميعهم أصيلي جزر قرقنة قرب سواحل مدينة صفاقس) ويونس شقير بن نصر ( تلميذ خفيف الروح محبوب من طرف الجميع يدرس بالمعهد الفني وهو أصيل مدينة محرس أصبح في ما بعد في سالك التعلبم) وغيرهم من التلاميذ الذين كان يبلغ عددهم أكثر من الثلاثين قضوا ليلتهم الأولى بدون نوم ولا أكل محشورين كالحيوانات وجالسين القرفصاء على أرضية من الاسمنت في بيت إيقاف المجرمين تشبه الدهليز (لا تتجاوز مساحتها التسعة أمتار مربع تقريبا) وكانت بيت الإيقاف وهي عبارة عن دهليز من الاسمنت متاخمة لمركز الشرطة المتواجد وسط المدينة بقرب من قصر البلدية التي كان جرس ساعتها القوي في تلك الليلة الباردة يخرق الصمت الرهيب كل ساعة. وبدأ الاستنطاق حوالي الساعة التاسعة من صباح اليوم الموالي كان أول من أخرج التلميذ من المعهد الفني يونس شقير بن نصر وبعد دقائق استمعنا إلى صراخ محمد بن نصر وفهمنا أن الاستنطاق يفتتح بالضرب والتعنيف. وبعد حوالي ربع ساعة أرجع محمد بن نصر في حالة رثة و استمر سيناريو الاستنطاق حوالي ساعتان و تقلص صراخ التلاميذ المستنطقين وقد تبين ربما للجلادين انه لا فائدة تجنى من الضرب و التعذيب ولن يحصلوا من التلاميذ العزل عن أية معلومة يستغلونها لقمع تحرك التلاميذ الذي أصبح غالبا تلقائيا وبدون سابق إعداد. وأتى دوري للاستنطاق ووجدت نفسي(و قد اكتشفت عندما وقفت إن سروالي كان ملوثا بالدم الجاف الذي انساب من رأس علي الحيلي الذي كان تعرض لضربة على الرأس بمؤخر بندقية جندي عندما حشر في الشاحنة وقضى ليلته متكأ على رجليا ) في قاعة صغيرة بها مكتب جالسا وراءه موظف فرنسي محاطا بعونين تونسيين واقفين ومرتديين زيا مدنيا, أحدوهما أسود البشرة وقد صاح هذا الأخير بمجرد دخولي إلى القاعة :" هذا هو الذي شاهدته أيام إضراب الجوع في المسجد مترددا بكثافة على الجامع" ثم رفع يده ليصفعني فوقف الفرنسي بسرعة ومسك بيده قائلا: " يكفي". ثم أجلسني على كرسي أمام مكتبه وشرع في استنطاق تقليدي: الاسم..اللقب.. تاريخ الولادة مهنة الأب....فهمت أني أمام "كوميسار" فرنسي محاط بتونسيين من إطار ما يسمى "بالبوليس السرطي" وبمجرد ما انتهى "الكوميسار" من الاستنطاق قالت: " السيد "الكوميسار" تعرفون جيدا أن ما تقومون به الآن غير قانوني البتة: إيقافنا غير قانوني, ضربنا غير قانوني واستنطاقنا هذا غير قانوني. إننا تظاهرنا بصفة سلمية داخل ساحة المعهد الفني مطالبين بسراح زملائنا وأصدقائنا فإذا كنا نستحق عقابا من أجل ذلك فلا يمكن أن يكون ذلك إلا من طرف مجلس تأديب المعهد بعد الاستماع إلى كل منا". فأغتاظ "الكوميسار" من هذا التعليق الذي فاجأه وبان غضبه في ملامحه. فقلت له :"هذه حقائق وان كنتم تبحثون عن من حرض على التظاهر داخل المعهد فيمكن لكم تسجيل من الآن اعترافي بأني أنا المسؤول ولا تضيعوا وقتكم فليس هنالك غيري وأقول لكم في نفس الوقت إنكم غير قادرين مهما فعلتم عن اقتلاع ما في قلوب جميع التونسيين من توق شرعي إلى التحرر". لم يكن "الكوميسار" الفرنسي يتصور أن يستمع من تلميذ تونسي نحيل الجسم مثل هذا الدرس بلغة فرنسية فصيحة فقال:" يكفي السيد صفر لست هنا لإعطائنا دروس إننا نعرف ماذا نفعل و لو كنتم تفكرون حقا في بلادكم لكرستم كل جهودكم لدراستكم واجتنبتم هذه الأعمال الحمقاء".و كنت أحاجج "الكوميسار" إذاك وبيت من نشيد تعلمته في الكشافة لأبي القاسم الشابي من قصيد "يا ابن أمي" يحرك شعوري: فمالك ترضى بذل القيود - وتحني لمن كبلوك الجباه. وهنا لا بد أن أوضح أن بوحي بهذه التفاصيل لا يندرج ضمن باب التبجح بشجاعة أفضل من شجاعة رفقائي في المعهد ولكن لكي أشير إلى نقطة ضعف في مزاجي الذي يجعلني في كثير من الحالات أتحمس وأندفع للإصداع بما يخالج نفسي دون أن أفكر في عواقب الأمور. فالشجاعة الحقيقية هي أن تتكلم بعد أن تكون قد فكرت مليا في كل الانعكاسات التي ستنجر عن كلامك وأما أنا فلم أكن دوما أقدر عواقب اندفاعاتي إذ أني أحيانا أتدخل بكل حماس متولد عن مزاجي و أكتشف في ما بعد خطورة كلامي وأحيانا أندم على هذا الاندفاع الغير المجدي. ولكن في هذه المرة لم أندم. وبعد رجوعي إلى مكان الاعتقال بعد أن أنهى "الكوميسار" الاستنطاق معي واكتفى بتكليف أحد معينيه بإعداد قائمة فيها إرشادات كاملة لكافة التلاميذ الموقوفين وعناوين أوليائهم. ومن حسن حظنا لم تأخذ لنا في هذا الإيقاف الصور التي عادة تؤخذ للموقوفين و توزع على مصالح الأمن لمتابعة تحركاتهم بعد خروجهم من السجن. وابتدءا من مساء نفس اليوم انطلقت الشرطة في دعوة أولياء التلاميذ (les correspondants) و تم تسليم التلاميذ الموقوفين فرادى بعد أن يمضى كل ولي أنه تسلم التلميذ وهو في "صحة جيدة" وأنه متعهد بالسهر على إبعاد التلميذ عن كل أعمال شغب. وأطردت من مبيت المعهد الفني بعد خروجي من السجن بدون أي محاكمة مع كافة الرفقاء الذين كانوا معي كما اطردت ورفقائي من معهد الدراسة لمدة بقية السنة. صورة من نص البرقية بتاريخ 11 مارس 1952 التي وجهها مدير المعهد إلى عاءلة التلاميذ المطروطين بعد مظاهرة يوم 8 مارس 1952 داخل المعهد الفني بصفاقس. أصبحت المظاهرة إضراب في نص البرقية...وقد مدني الأخ علي الحيلي بهذه الوثيقة مشكورا وهو الذي حافظ أكثر مني على وثاءق عديدة من مرحلة الدراسة. تمثل الصورة التالية مدخل مبيت المعهد الفني بصفاقس وجانبا من الساحة التي تظاهر فيها التلاميذ يوم 15 مارس 1952 . يوجد في الصورة التالية من اليمين مدير المعهد الفني جلبار باكي بيده أوراق وامامه مدير التعليم لوسيان باي Gilbert Bacquet avec Lucien Paye portant le chapeau . .أغلبنا كان في حالة رثة عند خروجنا من "دهليز" الإيقاف و ورفيقي علي الحيلي بصفة خاصة وكان تلميذ عضو في هيئة الشعبة قد رافقه بمجرة خروجه من السجن إلى صيدلية تونسي لوضع عصابة على رأسه المتضرر ثم رافقه إلى المصور الزواري studio Zouari. في المدينة العربية والتقطت له بعض الصور التي بعثتها هيئة الشعبة إلى هيئة الأمم المتحدة و بعض الصحف في الخارج للتشهير بتعسف المستعمر ضد التلاميذ العزل. وحز في نفس بعض الرفقاء الموقوفين عدم إقدام مدينة صفاقس على شن إضراب بعد الاعتقال كما حصل ذلك بعد مظاهرة 19 فيفري وتصوروا أن ذلك راجع لأنهم لا ينتمون إلى مدينة صفاقس ففسرت لبعضهم للتخفيف على النفس أن الإيقاف تم يوم سبت في آخر الأسبوع و تحت جناح الظلام ولم تعلم المدينة بذلك إلا يوم الاثنين وتم الإفراج عنا بدون محاكمة في الوقت الذي وقعت فيه محاكمة عديد كبير من التلاميذ بعد مظاهرة 19 فيفري فليس هنالك أي موجب لتأويل المواقف والإنزلاق في الجهويات. واضطرت بعد هذا الطرد للالتحاق بإصرار من عمي و ولي أمري, في تلك الفترة, أحمد صفر (الذي كان متفقدا للتعليم العربي لجنوب تونس مع الإقامة بصفاقس) بمعهد مدينة "قراسGrasse"3 في جنوب فرنسا. كنت متحرجا كثيرا لأني كنت أنوي تقاسم مشاكل الطرد مع رفقائي والنظر معهم في سبل مواصلة التعلم ودراسة المواد المدرجة لامتحان الجزء الأول من البكالورية بإمكانياتنا الفردية في حلقات دراسية يقوم كل فرد منا بتدريب رفقائه انطلاقا من الكتب التي كانت لدينا وفي المواد التي يتقنها كل منا. .ولكن عمي عاتبني وذكرني بواجباتي نحو والدتي بالخصوص التي قاست الأمرين منتظرة نتائجي. قال:" لك فرصة لكي لا تخسر سنة كاملة وبقائك مع رفقائك لا يغير من الوضع ما عدى شعورك النفساني النبيل بضرورة التضامن معهم و تقاسم وضعهم. الواقع يفرض عليك أن لا تفرط في فرصة أعانني عليها صديقي السيد الحبيب المزيوو الذي بادر بعد بإرسال ابنه حافظ إلى المعهد الفرنسي بمدينة قراس لأنه له معرفة جيدة بحريف فرنسي مختص في العطورات في هذه المدينة وهو مستعد ليكون بمثابة الضامن لك ولابنه حافظ لدى المعهد, وستكون في نفس المبيت الذي يتواجد فيه منذ أسابيع حافظ المزيوو." اقتنعت بحج عمي أحمد وقبلت الذهاب إلى المعهد الثانوي "بقراس" وسافرت إلى تونس ونزلت في نزل "عبد الكافي" واقتنيت تذكرة السفر إلى مدينة "مرسيلية" على متن الباخرة في الدرج الثالثة لقلة النقود المتوفرة لدي. وكانت الباخرة قديمة ومزدوجة في نقل البضائع ونقل الركاب. وعلى متن الباخرة اكتريت بثمن زهيد بيت من بيوت البحارة وكانت ذات أربعة أماكن و كريت ثلاثة منها من طرف شبان أطاليين مسافرين مثلي. وكان البحر هائجا فقضيت أربع وعشرون ساعة فوق الفراش في الغرفة بدون أكل حتى دخلنا ميناء مدينة مرسيلية. ثم أخذت مباشرة القطار الى مدينة "كان" وأنا في حالة رثة. ومن مدينة "كان" أخذت الحافلة التي أوصلتني إلى مدينة "قراس". فوجدت في المعهد الفرنسي رفقاء تونسيون مثلي البعض منهم وقع طردهم من المعاهد التونسية ومنهم محمد المصمودي ( رفيقي في الدراسة وصاحب دار نشر اليوم) و الحافظ المزيوو(حدثني عليه عمي وكان في معهد صفاقس يسبقني بقسم و عمل بعد الاستقلال كرئيس مصلحة في السكك الحديدية التونسية) ومحمد عبد المولىومحمد قريعة وجميعهم من المعهد الثانوي بصفاقس كما وجدت فريد المختار( سيصبح رئيس مدير عام لشركة الحليب "الستيل"في السبعينيات) وهو أصيل مدينة رأس الجبل . وكان آت من معهد آخر في تونس. نجحت في الجزء الأول من الباكالوريا في جولية 1952 بملاحظة حسن و نظمت الامتحانات الكتابية بمدينة "كان"Cannes ;و الامتحانات الشفهية بمدينة " نيس" Nice. يوم 12 جويلية 1952 . وبالرغم من قرار الطرد تمكن رفقائي المطرودين من المشاركة في امتحان البكالورية بتونس تحت حراسة عسكرية مشددة بعيدا عن زملاءهم الفرنسيين ونجح النجباء و منهم رفيقي علي الحيلي الذي نجح بتفوق بملاحظة حسن. و نجح كذلك علي الحيلي بامتياز في امتحان ديبلوم المدرسة الصادقية وكان في مقدمة جميع المشاركين متفوقا حتى على تلاميذ المعهد الصادقي في تلك السنة ومن بينهم التلاميذ صالح القرمادي و المنجي قوجى والشاذلي العياري وغيرهم وذلك بشهادة أستاذنا في اللغة والآداب العربية السيد عبد العزيز بالحسن الذي كان قد شارك في مداولات الاساتذة المشرفين على الامتحان. ويتذكر على الحيلي كيف تجاوز عقبة كبيرة في إمتحان الديبلوم الصادقي إذ لم يدرس لنا في معهد صفاقس تاريخ شمال إفريقيا الذي كان في تلك الفترة يدرسه الاستاذ عبد الوهاب بكير في الصادقية. وتمكن على الحيلي من التحصيل ليلة فقط قبل الامنتحان على كراس من أحد تلاميذ المدرسة الصادقية يتضمن دروس الاستاذ باكير وقضى ليلته في دراسته وأبهر يوم الامتحان الشفاهي الاستاذ عبد الوهاب بكير...كانت ممارات و منافسة مفيدة بين تلاميذ الاقسام التونسيية و بين تلاميذ الصادقية. وكان تلاميذ الصادقية لا يقبلون بسوهلة تفوق أحيانا البعض من الاقسام التونسية الداخليةحتى في إمتحان الديبلوم الصادقي..... صورة للقسم التونسي عدد1 (سنة ثالثة) بمعهد الثانوي بصفا قس السنة الدراسية 1948-1949. يظهر في الصورة جالسين من اليسار إلى اليمين التلاميذ: محسن الفقيه, توفيق بودية, محسن السلامي, عبد العزيزالمنيف ثم أستاذ فرنسي ,ثم التلاميذ علي سحنون, و عبد العزيز المغيث,...الصف الثاني: القيم العام " كليمان" ثم تلميذان ثم محمد المصمودي, ثم تلميذان ثم حسين الزغل, محمد رشيد صفر, محمد يعيش, الحبيب كمون, ثم مدير المعهد الاستاذ "فوجار" الصف الثالث: علي الحيلي, توفيق بودية, منصور بوراوي,تلميذ, ثم محمد كريشان ,الحبيب كسكاس, محمد بوعتور وبعدة أربعة تلاميذ نسيت أسماءهم. صورة لنفس القسم السنة الدراسية 1947-1948- القسم الخامس- مع أستاذ العربية السيد الطيب خماخم. الجالسين من اليسار إلى اليمين: توفيق بودية, محسن السلامي, وتلميذ نسيت إسمه, الحبيب كسكاس,علي سحنون, الاستاذ الطيب خماخم, والبقية تلاميذ نسيت أسماءهم. الصف الثاني: توفيق قطاطة, محمد المصمودي, محسن الفقيه, محمد بوعتور, علي الحيلي, محمد يعيش, عبد العزيزمغيث و تلميذ ثم الحبيب كمون. الصف الثالث: تلميذ,ثم منصور بوراوي, تلميذان,ثم حسين الزغل. وعدت إلى مدينة صفاقس قادما من المهدية في أواخر شهر سبتمبر 1952 والتقيت بالقيم العام بالمعهد السيد "كليمان" الذي أكد لي أن طردي لم يكن بصفة نهائية إلا من المبيت بالمعهد الفني و بالتالي يمكنني مواصلة دراستي بمعهدي بصفة تلميذ خارجي وهكذا تمكنت من مواصلة دراستي بصفاقس في السنة الدراسية 1952-1953 ونجحت في الجزء الثاني من الباكالوريا "اختصاص فلسفة" بملاحظة قريب من الحسن.وكانت الامتحانات الكتابية بصفاقس والامتحانات الشفاهية بالعاصمة بمعهد كارنو..وصاحبنا استاذنا في الفلسفة " كرينار" إلى تونس وتابع إمتحان تلاميذه الناجحين في الكتابي وإلتقبت به في رواق من أروقة معهد "قرنو" و أنا أتأهب للدخول إلى قاعة إمتحان مادة الفلسفة فنبهني مشيرا إلى أن الاستاذة الفرنسية التي ستمتحنني قادمة من الجزاءر وهي مسيحية متشددة...وقد أفادتني تلك المعلومة إذ كان من بين المواضيع الثلاث التي طلبت مني تحليها موضوع " المبادي الأساسية للاخلاق"....وبقي الاستاذ "كرينار" معنا حتى الاعلان على النتائج...وأتذكر أني سألته ونحن ننتظر النتاءج عن تاريخ أول إمتحان للبكالورية في فرنسا فأعلمني أن أول إمتحان كان في سنة 1808 وكان يقتصر على إمتحان شفاهي في ماد تين وكان عدد الناجحين في تلك السنة لم يتجاوز الثلاثين. يوم أحد من شهر ماي 1952في الجبال المحيطة بمدينة قراس من اليسار الى اليمين التلاميذ حافظ المزيو ورشيد صفر وتوفيق عبد المولى ومحمد قريعة. صورة في ساحة معهد مدينة قراس يجنوب فرنسا لمجموعة من التلاميذ الأجانب الذين كانوا متواجدين في المعهد في شهر ماي 1952.ويوجدفي الصورة في صف الواقفين من اليسار الي اليمين التلاميذ : محمد قريعة ورشيد صفر والحافظ المزيو. وفي صف الأول الجالس يوجد وهو الثالث من اليسار الى اليمين التلميذ; ورفيق الدراسة الثانوية في معهد صفاقس محمد المصمودي. Photocopie de l’enveloppe de la lettre à mon camarade Ali El-Hili نسخة من ضرف الرسالة الموجهة إلى علي الحيلي. هنالك غلط في تاريخ السنة الوارد في الرسالة والصحيح هو1952 لا 1951 Première page de ma lettre de la ville grace à mon camarade Ali El-Hili الصفحة الأولى من رسالتي إلى رفيقي في الدراسة وصديقي علي حيلي بتاريخ 1 جويلية 1952 - الصفحة الثانية من الرسالة إلى رفيقي علي الحيلي وهي إجابة عن رسالته ابلغني فيها عن نجاحه في الجزء الأول من البكالورية وفي إمتحان ختم الدروس بالصادقية بتفوق رغم الطرد كما أبلغني لوم عدد من الزملاء للالتجاء إلى فرنسى لانهاء السنة الديراسية بعد طردي من معهد صفاقس. Troisième page- الصفحة الثالثة الصفحة الأخيرة من الرسالة إلى علي الحيلي Dernière page de la lettre à ALI EL-HI وكان زميلي حسين الزغل قد قضى معي أسبوعا واحدا في قسم الفلسفة في بداية السنة ثم خير تغيير توجهه و الالتحاق بالأخ علي الحيلي في قسم الرياضيات.وكان معي في قسم الفلسفة من التونسيين التلميذ الطاهر قاسم الذي أطرد من المدرسة الصادقية بتونس لمشاركته في المظاهرات وكذلك التلميذ المختار الفخفاخ( الذي سيصبح من اطارت البنك المركزي الفتي بعد الاستقلال) وعدد من الفتيات الفرنسيات من بينهن التلميذة"ناتاف"(Nataf) التي أخذت مقعد حسين الزغل إلى جانبي عندما غادر حسين قسم الفلسفة. ومازلت أتذكر أن الموضوع الأول الذي اختاره أستاذ الفلسفة السيد" كرينار" كموضوع أول تدريب إنشائي, بعد أن فسر للتلاميذ الفرق في صياغة الإنشاء الأدبية والإنشاء الفلسفية, كان تحليل وتفسير بيت للشاعر الفرنسي "ألفريد دي موسى"(Alfred de Musset) مفهومه " الإنسان متربص والآلام هي مدربه ولا أحد يتعرف على نفسه ما دام لم يتألم" « L’ homme est un apprenti la douleur est son maître. Nul ne se connaît tant qu’il n’a pas souffert » وأوضح لنا الأستاذ "كرينار" قائلا: " انه يمكن طرق هذا الموضوع سواء على طريقة الإنشاء الأدبية أو على طريقة الإنشاء الفلسفية. وسأختبركم عند ما أتسلم منكم عملكم". وأعددت تحليلا أدبيا ثم تحليلا وتعليقا فلسفيا لبيت الشاعر وقدمت لأستاذي وثيقتان نالت استحسانه فقدمها لرفقائي كأنموذج للمنهجين اللذين كان تولى تفسيرهما لإعداد الإنشاء. كما أتذكر بالنسبة لنفس السنة أن الأستاذ المميزعبد العزيز بالحسن طلب من التلاميذ في قسم الفلسفة إنجاز مقارنة أدبية وفلسفية بين شعر المتنبي وشعر أبي فراس الحمداني فملت في تحرير الإنشاء إلى أبي فراس بالخصوص "لصدقه في قصائده وثباته على المبادئ طيلة حياته" حسب تصوري وانتقدت المتنبي بالرغم من بلاغة أسلوبه ومتانة شعره لأنه "كان ينافق ويرتزق بشعره".ولم يكن أستاذي مقتنعا كثيرا بالمرافعة المبالغ فيها لصالح أبي فراس ولكنه اعترف بصدق لهجة تحريري للدفاع على المبادي الاخلاقية. و إني أتذكر بشوق دروس الأستاذ الشاب الطاهر قيقة الممتعة ويشاطرني في ذلك تماما رفيقي في الدراسة الثانوية علي الحيلي وبدون شك كافة رفقائي في القسم. وقد كانت دروس الطاهر قيقة تبدو رائعة بالنسبة لكافة التلاميذ في معهد ضفاقس في تلك الفترة الاستعمارية. كان معهد صفاقس أول معهد تونسي يدرس فيه الطاهر قيقة بمجرد عودته من فرنسا وكان متحصلا على التبريز في الآداب العربية وكان قد نجح في الكتابي لمناظرة التبريز في الآداب الفرنسية الكلاسيكية مثل أستاذنا في الفرنسية السيد "هاني". وكان الطاهر قيقة قد طلب من إدارة المعارف في تلك الفترة تدريس الفرنسية والعربية لتملكه العميق من اللغتين والثقافتين ولكن قالت له السلط الاستعمارية " إن تدريس الفرنسية هو شأن الأساتذة الفرنسيين أما أنت فسنلحقك بمعهد صفاقس وبه شغور لتدريس العربية فقط " وكان الطاهر قيقة في دروسه معنا كثيرا ما يتجاوز البرامج الرسمية ويقدم لتلاميذه مقارنات ممتعة ومميزة بين الشعر العربي والشعر الرومانسي الفرنسي. ويبين لنا " كيف كان العرب "رومانسيين" قبل الشعراء الفرنسيين".وأبرز لنا في تحاليله حتى رومانسية الشعر الجاهلي... و يتذكر على الحيلي أنه عندما طلب القيم العام الفرنسي " كليمان" الطاهر قيقية إعداد دفادر التلاميذ في آخر الثلاثي الأول من السنة الدراسية وكانت مطبوعة باللغة الفرنسية قال له قيقية : "أنا أستاذ اللغة العربية ولذلك ستكون ملاحظاتي محرر بلغة تدريسي." و وضع الطاهر قيقة القيم العام أمام الأمر المقضي وأعاد له الدفادر ( وربما كانت في المعهد مبادرة فريدة من نوعها) بملاحظاته محررة باللغة العربية. وأمام الأمر المقضي أذعن القيم العام "كليمان" وقبل الدفادر من استاذنا الطاهر قيقية وطلب من قيم تونسي اضافة ترجمة الملاحظات من العربية إلى الفرنسية. واشتكت إدارة المعهد من سلوك استادنا المحبب إلى إدارة المعارف في تونس وطلبت نقله. وهكذا حرمنا من دروس الطاهر قيقية الراقية بعد سنة دراسية بدت لنا قصيرة جدا و تعلمنا فيها عنه الكثير وأصبح قدوة إلى درجة أن كل تلميذ كان يحلم بأن يصبح يوما أستاذا مثل الطاهر قيقة. ونقل بالطبع الطاهر قيقة من معهد صفاقس.... وبقيت أتذكر ما اعترضتني من صعوبات للتحصيل على مصادر ومراجع في مكتبة المعهد عندما كلفني أستاذي " كلود لوسان" في أكتوبر 1951 بإعداد محاضرة على الأنظمة"التوتالتارية" أي الشمولية وخصائصها وأسباب انتشارها لعرضها في القسم أمام زملائي ومناقشتها. و وجدت ضالتي في مقال نشره والدي في مجلة "ليلى" بالفرنسية أواخر سنة 1939 وحلل فه عيوب النظام النازي الهتلري ومخاطره وكان من حضي أني اطلعت عليه في عطلة الصيف بالمهدية لما كنت أتفحص بعض الوثائق الراجعة لوالدي والتي احتفظت بها والدتي فاستفدت بالمقال و أدمجت في محاضرتي فقرات منه. وكان الأستاذ معجبا بمقال الطاهر صفر أكثر من محاضرة ابنه معترفا بأن المحاضرة التي اختارها كانت صعبة بالنسبة لمستوى القسم في بداية السنة. وكان الاستاذ " كلود لوسان" من أحسن أساتذتنا في اللغة الفرنسية وهو متحصل على شهادة التبريز في الآداب الفرنسية. كان مولعا بعمله كمربي وكان يشجع التلاميذ النجباء التونسيين مثل على الحيلي الذي بقي يكن له مودة خاصة وتابع مراحل تعليمه العالي في فرنسى وبقي يراسله حاملا ذكريات طيبة عن فترة تدريسه بصفاقس. أجتزت الامتحان الكتابي للجزء الثاني من البكالوريا بمدينة صفاقس في شهر جوان 1953 مع بقية رفقائي ونجحت في الكتابي مع الرفقاء على الحيلي وحسين الزغل والآنسة نتاف. وانتقلنا إلى العاصمة تونس لاجتياز الامتحان الشفاهي بمعهد "كرنوا" واصطحبنا أستاذنا في الفلسفة "كرينار" حتى مدخل المعهد لتشجيعنا ونصحنا وقال لنا منبها :"أن السيدة "باريس" أستاذة الفلسفة القادمة من الجزائر خصيصا لامتحانكم متمسكة بمعتقداتها المسيحية" وقد أفادني هذا التنبيه لأن من بين الثلاثة مواضيع التي طلبت مني الأستاذة تحليلها كان موضوع : " أسس علم الأخلاق في علاقتها مع الأديان السماوية". و أتذكر أني امتحنت في مادة الفيزياء والكيمياء من طرف الأستاذ الوطني أحمد نور الدين أصيل مدينة سوسة الذي سيصبح وزيرا للتجهيز بعد الاستقلال. وفي مساء اليوم الثاني من الامتحان انتظرنا النتائج أمام مدخل معهد "كرنوا" وحوالي الساعة الخامسة مساءا وقع التصريح بالنتائج ونجحت بملاحظة "حسن". كما نجح رفقائي علي الحيلي والطاهر قاسم و كذلك الآنسة "نتاف" ( يهودية لها الجنسية فرنسية) و قد كانت ساهمت في إنقاذي من الاعتقال يوم تجمهر تلاميذ معهد صفاقس أمام قنصلية اليونان سنة 1952 كما ذكرت سابقا. نشر نتائج الكتابي لشهادة البكالورية جوان 1953 في جريد ' لبريس" نتائج الكتابي في الفلسفة بصفا قس: بدر الدين عبد اله – الطاهر قاسم- بوستي لوسيان- دوسان ج م- تيجاني مقني- منجيون كمي- محمد صفر وهو" محمد رشيد صفر" نتائج الكتابي في الرياضيات: على الحيلي- فتحي المزيو- رينار كلود. نتائج الكتابي في الفلسفة فتيات صفاقس: 11 تلميذة من بينهن التلميذة " ناتاف إيملي" التي كانت ساهمت في انقادي من الإيقاف في مظاهرة فيفري 1953 امام قنصلية اليونان الزعيم الحبيب بورقيبة في آخر شهر جانفي 1952 في منفاه بنزل فرنسا بمدينة طبرقة وبجانيه زوجته الأولى "ماتلدا" (موفيدة بعد أن أسلمت) يوم زيارتها له مصحوبة بطفلة من عائلة زويتن. ---------------------- في أكتوبر 1956 يغادر رشيد صفر كتابة الدولة للشباب والرياضة ويتفرغ لإنهاء دراسته العليا وقد سجل نفسه في شعبة التاريخ في دار المعلمين العليا التي بعثت في سبتمبر 1956 وذلك بالإضافة إلى مواصلة دراسته في الحقوق والاقتصاد. كانت الآنسة زكية حرمل ومحمد فنتر من بين الذين اختاروا مع رشيد صفر شعبة التاريخ.و لكن في جانفي 1957 انقطع رشيد صفر عن متابعة دروس التاريخ وقد استجاب مع مجموعة من الطلبة التونسيين لنداء وزير المالية الهادي نويرة لالتحاق بوزارة المالية عندما غادر بصفة مفاجئة عدد كبير من الموظفين الفرنسيين مصالح وزارة المالية لتعجيز الحكومة التونسية ألفتية. مرحلة التعليم العالي : من الاستقلال الداخلي إلى الاستقلال التام وميلاد النظام الجمهوري
. 1954- 1959 واصلت تعليمي العالي في الآداب والحقوق والعلوم الاقتصادية بتونس بمعهد الدراسات العليا من أكتوبر 1953 إلى جوان 1958وكان من بين أساتذتي في تونس بالخصوص "فرنسوى شاتلي" (François Châtelet)في مادة الفلسفة ومحمود المسعدي في الآداب العربية و"ريمون بار" (Raymond Barre)و" دي برنيس" De Bernis) في الاقتصاد و"جان قنياج" (Jean Ganiage)في التاريخ. أحدث معهد الدراسات العليا بأمر منذ أكتوبر 1945 وكان تحت اشراف جامعة باريس بمختلف كلياتها, وبالخصوص كلية الآداب المعروفة بال"السربون" وكلية الحقوق. وكان جل الأساتذة المدرسين في المعهد من الفرنسيين الملحقين من جامعة باريس. Fac de Lettres. - « Vous savez que les facultés des lettres ont pris, par وفي السنة الجامعية الأولى من دراستي في معهد الدراسات العليا بتونس ( 1953-1954) اخترت متابعة الدراسة بالتوازي في الآداب والحقوق وكانت العلوم الاقتصادية في تلك الفترة تدرس ضمن الإجازة في الحقوق. وتمكنت من العمل في العاصمة كقيم "نصف الوقت" في معهد كرنو بتونس وذلك لتغطية كلفة الدراسة والإقامة بتونس. وكان من بين زملائي القيمين في نفس المعهد: الأخ عبد القادر المهيري ( كان يتابع دراسته في السنة الثانية من الإجازة في الآداب العربية) ومعه قيم فرنسي اسمه "رومان", و الأخ عبد الرزاق بوريشة ( كان يعد إجازة في الفيزياء ) و الأخ عبد الوهاب حروش ( يدرس في سنة تحضيرية للصيدلة) و الأخ الطاهر قاسم الذي كان في تلك السنة يدرس معي السنة التحضيرية آداب عصرية بمعهد الدراسات العلي وذلك في نفس الفوج الذي كان يضم عدد من الطلبة التونسيون سيصبحون أساتذة لهم شأن كبير في الجامعة التونسية الفتية مثل صالح القرمادي وتوفيق بكار والأخوان ستهم والآنستان حرمل ومزالي. صورة في ساحة معهد كرنوا- السنة المدرسية1953-1954فيها مجموعة من قيمي المعهد: الواقفون من اليمين إلى اليسار محمد البدوي ثم قيم من أصل جزائري ثم رشيد صفر ثم قيمان فرنسيان والجالسون: القيم رومان ثم عبد القادر المهيري ثم قيمان فرنسيان ثم عمار السودي. --------------------------------------------------------------- وكنت مع زميلي الطاهر قاسم أتابع بالتوازي الدروس التي كان يلقيها الأستاذ "فرنسوى شاتلى" في معهد كرنو في القسم التحضيري لمناظرة الدخول للمدرسة العليا للترشيح في باريس Normal Sup) ( بالإضافة إلى الدروس التي يلقيها في قاعة المدرج الكبير للمعهد الذي كان يحمل اسم المستشرق الفرنسي "ويليام مرسى" « William Marçais » وكان غالبا ما يكون المدرج مزدحما بالطلبة وحتى بتلاميذ أقسام الفلسفة من مختلف معاهد العاصمة نظرا للشهرة التي اكتسبها الأستاذ " فرنسوا شتلي" بتونس في أوساط الطلبة في تلك الفترة. وكان هذا الأستاذ تقدمي النزعة والاتجاه و ينشط في التظاهرات والاجتماعات التي كانت تنادي بسراح المساجين الوطنيين التونسيين وكان من الفرنسيين الذين يجاهرون بمساندتهم لاستقلال تونس. أتذكرإني شاركت في اجتماع صحبة الرفيق الطاهر قاسم انعقد في الاشهر الأولى من سنة 1954 بساحة فسيحة بمنزل يقع بنهج بوخريص بالعاصمة ضم الاجتماع حوالي مأة شخص من اساتذة التعليم الثانوي والعالي و بعض المحامين والمفكرين التونسيين والفرنسيين و من بينهم استاذنا فرانسوى شاتلي و أخد الكلمة ععد كبير من الحاضرير لاقتراح تحركات سلمية مختلفة للضغط على السلطة الاستعمارية للافراج عن المساجين الموطنيين وفي مقدمتهم الزعيم الحبيب بورقيبة وكانت اول مرة التقي فيها بالمحامي الشاب المنذر بن عمار. وأخذ الكلمة رفيقي الطاهر قاسم وتدخلت في النقاش بعده بحماس مقترحا تكثيف النداءات للإفراج عن طريق رسائل مفتوحة توجه باسترسال لكافة الصحف الفرنسية وتكون ممضاة بالخصوص من طرف الاساتذة والمفكرين الذين لهم مكانة في المجتمع. في صباح اليوم الموالي لهذا الاجتماع كان لنا درس مع شاتلي في معهد كارنوا وفي نهاية الدرس طلب استاذنا من الطاهر قاسم ومني البقاء معه في القاعة ولما خرج التلاميذ وأغلبيتهم كانوا فرنسيين قال لناّ: لقد حضرت في إجتماع مساء الأمس أخت المحامي المنذر بن عمار وهي السيدة وسيلة بن عمار ولو أنها لم تخرج لساحة المنزل الذي عقد فيه الاجتماع ولكنها كانت متواجدة في احدى الغرف وتابعت كافة التدخلات بما فيها كلماتكما وأخبرني أخيها بأنها تريد أن تلتقي بكما لتكليفكما ربما بمهمة سياسية وهذا هو عنوان الشقة التي ستنظركما فيها يوم الجمعة المقبل على الساعة الرابعة مساءا. توجهنا طبعا للمكان المعين وحسب الموعد وبقينا طويلا نضغط على جرس المنزل ولا يجيبنا أحد وكأن المنزل خالي من أي ساكن. وانتهى الأمر بهذه الصفة.....بقيت لي ذكريات من استاذي " شاتلي" عن دروسه المتعلقة بالخصوص بكانت وهيقل وأفلاطون وأرسطو. كان في تلك الفترة مغرما بهيقل وأطال في تحليل كتابه " الإستاتيكة" L’ESTHETIQUE و تابعت في نفس الوقت بمعهد الدراسات العليا بتونس دروس الإجازة في الحقوق والاقتصاد من السنة الجامعية 1953-1954 إلى السنة الجامعية1957-1958. وفي السنة المدرسية1953-1954 تابعت الدروس الذي كان يلقيها الأستاذ "ريمون بار" في الاقتصاد بمعهد الدراسات العليا وكانت تلك السنة هي آخر السنة الذي درس فيها "بار" بتونس التي قدم إليها في بداية سنة 1951 لأنه كان يريد التعرف على خصوصيات المغرب العربي وغادر ريمون بار تونس بعد أسابيع قليلة من قدوم "منداس فرنس" إلى تونس يوم 31 جويلية 1954 للإعلان على موافقة فرنسا منح تونس استقلالها الداخلي وكان ريمون بار منذ تلك الفترة مؤيدا للسياسة التي سلكها "مادس فرنس" سوءا في الهند الصينية أو في تونس وكان مولعا بكتب الاقتصادي المشهور"كينس" وبدروس " ريمون آرون" التي تابعها وهو طالب في معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences-po.(. بقيت في الذاكرة من دروس "بار"مقدمته الممتازة لتاريخ الفكر الاقتصادي وتتطور النظريات الاقتصادية وتعريفه للعلوم الاقتصادية وضبطه لحدود وإمكانات التحاليل الاقتصادية وسبل استعمالها وخاصة تصوراته للمسحة الإنسانية التي يتعين على العلوم الاقتصادية أن لا تتخلى عنها بالرغم من بداية تكثيف النزعة على الاعتماد الجاف عن الأمثلة الرياضية والتوغل في اختصاص جديد يعتمد أساسا عن الرياضيات :L’économétrie وبقيت في الذاكرة راسخة دروس " بار" المتعلقة بتوسيع الدخل الوطني ومختلف النظريات المتعلقة بتوسيع الدخل انطلاقا من المدرسة الكلاسيكية الانكليزية مع "أدم سميت" و "ريكاردو" و " ستورت ميل" إلى المدرسة الماركسية ثم المدرسة "الهامشية": La théorie marginaliste de la répartition ثم صراع المجموعات على توسيع الدخل والتحاليل والنظريات ذات النزعة "الكينيزية" وختم هذه الدروس بتوزيع المداخيل في اقتصاد السوق: التوزيع الوظيفي, الأسواق وأسعار عناصر الإنتاج, المبادي الأساسية لتحليل أسعار عناصر الإنتاج, الطلب لعناصر الإنتاج, العرض لعناصر الإنتاج, سوق الشغل في الاقتصاد العصري,القروض وأسواق رأس المال ونسبة الفائدة وتأثيراتها على نسق النمو, القرض وخصوصياته, المؤسسات المقرضة والبنوك والنظريات المتعلقة بأرباح المؤسسات الاقتصادية والتحاليل المتعلقة بالتوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني وتأثير تطور الإنتاجية الجملية عليها.