lundi 12 novembre 2012

Conférence en langue arabe de Rachid Sfar à la tribune de l'Institut TEMIMI pour la recherche.

سمينار الذاكرة الوطنية و تاريخ الزمن الحاضر
مع السيد رشيد صفر الوزير الأول الأسبق حوار حول
أية دروس من قراءة الحركة الوطنية و بناء الدولة الوطنية
السبت 14 جانفي 2012


د. عبد الجليل التميمي:
كنا قد دعونا السيد رشيد صفر إلى السمينار الذي عقدناه حول المرحوم الهادي نويرة وفوجئ الحاضرون بمحتوى تدخله عندما أمدنا بمعلومات مباشرة ودقيقة حول شخصية المرحوم الهادي نويرة رجل الدولة بامتياز. و قد تأكد لي أن دعوة أمثال هاته الشخصيات الوطنية ستفيد ولا شك، قاعدة البيانات حول الحركة الوطنية وبناء الدولة الوطنية.
على ضوء ذلك اقترحت على السيد رشيد قبول دعوتي لتشريفنا على منبر المؤسسة لينقل لنا جزءا ثمينا من ذكرياته.
التحق رشيد صفر بمعهد الدراسات العليا من أكتوبر 1953- إلى جوان 1957أين تابع دراسته في الحقوق والاقتصاد والتاريخ. ثم تحول إلى باريس وتابع تكوينه بالمدرسة الوطنية التطبيقية للأداءت التابعة لوزارة المالية والاقتصادية الفرنسية وأنهى دراسته العليا بكلية السربون من أكتوبر 1958 إلى جوان 1959. وهو يعد من أوائل التونسيين الذين اهتموا بشؤون الإصلاح الاقتصادي والمالي. وقد تولى عديد المهام الإدارية السامية بوزارة المالية منها الأمانة العامة لوزارة المالية من 1974 إلى سنة 1977. ثم وقع تعيينه وزيرا للصناعة والطاقة والمناجم (1977-1979) ثم وزيرا للدفاع (1979-1980) ثم وزير للصحة (1980-1983) ثم وزيرا للاقتصاد الوطني في أواخر سنة 1983 ووزيرا أول منذ جويلية 1986 إلى أكتوبر 1987، وفي شهر أوت 1986 تقدم إلى مجلس النواب بقانون إضافي معزز ببرنامج إصلاح هيكلي للاقتصاد والمالية مساند من طرف البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. كما عرض في شهر ماي 1987على مناقشة ومصادقة مجلس النواب المخطط السابع للتنمية لفترة 1987-1991
والسيد رشيد صفر هو أبن الزعيم السياسي المحامي الطاهر صفر، أحد مؤسسي الحزب الدستوري الجديد مع ثلة من القيادات القديمة : من الحبيب بورقيبة و محمود الماطري وبصفة أخص يوسف الرويسي الذي منه انطلقت الفكرة الأولى للانشقاق على الحزب الدستوري وتكوين الحزب الدستوري الجديد.
وقد اشتغل بعد ذلك السيد رشيد صفر كسفير لدى المجموعة الأوروبية من 1988 إلى 1992، ثم تم تعيينه رئيسا للهيئة العليا للرقابة الإدارية و المالية 1993-1996 وقد ترأس اللجنة التي أعدت التقرير ألاستشرافي المتعلق بتصور الخطوط الكبرى لنطور تونس في القرن 21 وتقرير ثاني حول سبل تحفيز الاستثمار التونسي انطلاقا من سنة 2000. وقد صدر له سنة 1999 كتاب بعنوان"mondialisation , régulation et solidarité" بالفرنسية لدى دار لارمان بباريس. ويتعلق هذا الكتاب أساسا بمقترحات لإصلاحات جذرية تهدف إلى الحد من تقلبات السوق المالية والنقدية العالمية و ملائمة تدخلات صندوق النقد الدولي مع مقتضيات العولمة الاقتصادية وحاجات الدول النامية وكذلك إصلاح المنظمات الدولية للحد من خطورة الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية وتحقيق دمقرطة اتخاذ القرارات على الصعيد الدولي حتى تكون فيه أكثر عدالة. وقد اتسمت هكذا مسيرة السيد رشيد صفر بالتنوع والثراء وساهم كخبير مالي واقتصادي في بناء الدولة التونسية الناشئة.
ونظرا لهاته المسيرة في حقبة نسبيا طويلة وتشرب رشيد صفر بالبعض من خصوصياتها واستيعابه الدقيق لمسيرة والده المحامي الطاهر صفر، حصلت للسيد رشيد رؤية وتحليل حول منهجية تسيير الحزب الحر الدستوري الجديد وبداية الانحرافات والأخطاء التي ارتكبت قبل عهد الاستقلال وبعده تفسر انسداد وانكسار المسار الديمقراطي في بلادنا. وإن سجل الذاكرة الوطنية مفتوح في المؤسسة لاحتضان شهادات الجميع من أمثال السيد رشيد الذي نحييه ونشكره على قبوله دعوتنا وتشريفنا على منبر سمينارات الذاكرة الوطنية. وهذه الحلقة الأولى من شهاداته وسوف تتلوها ولا شك حلقات أخرى لتغطي مسيرة حياته وأن لديه ما يبلغه لجيلنا وللأجيال القادمة.
وعلى ضوء ذلك سوف يحدثنا السيد رشيد ويتحاور معنا حول مسيرته السياسية وتوليه عديد الوزارات : الصناعية والمناجم والطاقة والدفاع الوطني والصحة العمومية والاقتصاد الوطني والمالية. وقد تولى الوزارة الأولى في 8 جويلية 1986 لمهمة إعادة التوازن المالي والاقتصادي للدولة. وبعد استرجاع الاقتصاد التونسي شيئا من فعالياته وصحته وبعد إصدار المخطط السابع للتنمية لفترة 1987-1991 المجسم للإصلاح الهيكلي غادر رشيد صفر مهامه كوزير أول يوم 2 أكتوبر 1987 في ظروف غريبة جدا سيكشف لنا عن تفاصيلها الخفية. ويؤكد السيد رشيد صفر أن فترة تعايشه مع بن علي كانت بائسة حقا وتخللتها كثير من العقبات.
يسعدني للمرة الثانية أن يشرفنا الأستاذ رشيد صفر ويعلم الجميع مدى مكانة رشيد صفر في سيرورة وبناء الدولة الوطنية وليسمح لي سي رشيد قبل أن أعطيه الكلمة أن أذكر عن سبب التجاءنا إلى جمع الشهادات الفاعلين التونسيين في بناء الدولة الوطنية, حيث التجأنا إلى هذا الأمر لأن أرشيف الدولة مغلق وأرشيف الرئاسة وأرشيف الداخلية, كل الأرشيفات مغلقة فرأينا أنه على الأقل الأناس الفاعلين بإمكانهم تقديم على الأقل معلومات جوهرية وعندما قمنا بذلك اكتشفنا أنه ثمة ما يسمى بأرشيفات الصدور وكنا دوما نطالب في كلماتنا وتدخلاتنا الموجهة لبن علي أو كل الإدارات أن يسمحوا لنا بالاطلاع على تلك الأرشيفات, إلا أنهم رفضوا ذلك, لكن أريد أن أعلن خبرا مفيدا ومهما جدا وتاريخيا في نفس الوقت وهذا الأسبوع دعاني رئيس الجمهورية سي المنصف المرزوقي صحبة هشام جعيط وسي جلول عزونة على أساس استشراف رأينا حول بعض من القضايا والمسائل الثقافية وقد أرانا أرشيف الرئيس بورقيبة والذي لم يقع فتحه على الإطلاق وطلب من ثلاثتنا أن نقترح عليه تصورا ما لفتحه لعموم الباحثين, وإني شخصيا أنوه أولا بهذا الموقف النبيل من رئيس الجمهورية الرجل المثقف, المدرك والواعي, أن يرينا أرشيف الرئيس بورقيبة طالبا منا كيف يعمل على إتاحته للباحثين جميعا وهو شيء جميل جدا, وهذا يتم لأول مرة ويحصل في العالم العربي إذ بعد اندلاع الثورة التونسية ولا دولة عربية استطاعت أن تفتح أرشيفات الرئاسة وأرشيفات الوزارات الأخرى على الإطلاق وبطبيعة الحال أنا أتصور أن مكان هذا الأرشيف هو الأرشيف الوطني باعتباره المؤتمن على الذاكرة الوطنية وسي المنصف قال لنا أي اقتراح بناء في توظيف هذا الرصيد, فهو مستعد لتطبيقه وأعتقد أن هذا شيء جديد وهم وكما أعطت الثورة التونسية الإشارة لأهمية التحولات الاجتماعية والسياسية في العالم العربي بل في العالم كله فإن موقف سي المنصف المرزوقي لا بد أن يصب في هذا الانفراد وهذا الاستثناء المعرفي الأرشيفي لتونس.
وسي هشام جعيط وجلول عزونة وأنا عبرنا على مدى الارتياح العميق إلى هذا التحول الهام جدا في فتح أرشيف الرئيس بورقيبة, المهم عشنا مرحلة جديدة ونأمل أن رجال المؤرخين رجال الإعلام يدركون مدى هذا الموقف العميق لسي المنصف المرزوقي فشكرا له, هذه معلومة مهمة جدا باعتبار أننا في حركية وفي سيرورة الذاكرة الوطنية نرجع إلى سي رشيد صفر والجميع يعرف مكانته ولديه معلومات هامة جدا سيدلي بها, في مصير هذا البلد وهو سليل الطاهر صفر وتعرفون جيدا مكانة الطاهر صفر في مصير هذا البلد هو من أول المؤسسين لحزب الدستور الجديد على الرغم من أن يوسف الرويسي هو الذي كانت له المبادرة الأولى لانشقاق الحزب القديم, وقد ذكره محي الدين الفليبيني من المشرق عندما قال له معاتبا: أنت السبب في الانشقاق وانبثاق الحزب الدستوري الجديد, والدك لعب دورا أساسيا وستحدثنا الآن عن هذا الدور وعن ذكريات الوالد والعائلة, كل هذا لعب دورا كبيرا في تلمس خصوصيات الطاهر صفر, وبالتالي دورك أنت هو دور كبير, نأمل أن تساعدنا على تلمس هذا الدور في بناء الدولة الوطنية وقد مررت بأغلب الوزارات السيادية. وكانت لك لقاءات ولديك الكثير لتقوله لنا مع الرئيس بورقيبة ومع غيره من القيادات السياسية, كل معلومة تقدمها لنا سي رشيد ستكون لها أكثر من أهمية كبيرة, لأننا في فضاء أكاديمي يتعامل مع الحقيقة ومع الصدق ومع الشفافية وبالتالي هذه المعلومات سوف تسجل وتنشر في كتب, هذه الكتب أصبحت الآن المراجع الأساسية, ومنا نشر الأسبوع القادم وكتاب جديد بعنوان: الدور المغيب في مسار الحركة الوطنية بالجهات: المنستير وسوسة ونابل والمهدية, وهي معلومات لها أهمية كبرى ودعونا لها القيادات الوطنية الثقافية بكل من سوسة والمنسنير والمهدية, وقد أنجزنا سمينارا على صفاقس وآخر على القيروان وعلى بنزرت وسمينار على مقاومة الجنوب, وهاته الجهات غيبت الوطنية وأنت أحد بناة هذه الدولة, وبحضور سي الهادي البكوش وبعض السفراء والوزراء وبعض رجالات الدولة التونسية الذين يشرفهم أن يكونوا تونسيين وساهموا في بناء الدولة الوطنية. شكر لبعض الصحافيين الذين يواكبون هذه الفعاليات الأسبوعية وشكرا للجميع.

رشيد صفر:
شكرا جزيلا للأستاذ عبد الجليل التميمي على هذه الكلمات اللطيفة التي في الحقيقة تتجاوز شخصي, ولا أدعي أني كنت من بناة الدولة التونسية الحديثة في مرحلتها الأولى, إذ كانت مساهمتي متواضعة جدا. و إنه بحكم سني وبحكم مواصلة تعليمي العالي في تلك الفترة 1953-1959 بقيت مساهمتي في السنوات الصعبة الأولى بعد الاستقلال متواضعة. وفي مجال المسؤوليات السياسية  وبعد أزمة  تعميم التعاضد وقع الاستنجاد بي غالبا في ظروف استثنائية وعصيبة مرت بها البلاد, وهنالك في الحقيقة في تونس إخوة ومسؤولين سابقين أكثر مني خبرة ودراية ليثروا مخزون الشهادات المتوفرة لديكم بالنسبة لفترة بناء الدولة مباشرة بعد الاستقلال. وبهذه المناسبة لا يسعني أن أعبر لكم عن تقديري الكبير للمجهود المتواصل الذي تقوم به مؤسستكم ولن أتردد في إعطاء إضافة إذا ما أمكن ذلك,.
شكرا مجددا  إذا على الاستضافة وشكرا على الحضور في هذا اليوم التاريخي الذي تحتفي فيه بلدنا بكل خشوع بالذكرى الأولى لثورة 14 جانفي 2011  ثورة الحرية والكرامة. هذه الحرية والكرامة التي كثيرا ما وقع للاصداع بها في الخطب والمقالات قبل الاستقلال ولم يقع تجسيمها  تجسيما كاملا من خلال دولة الاستقلال. هذه الدولة التي كان من المفروض أن تكون فيها المؤسسات الدستورية مستقلة بالفعل عن السلطة التنفيذية حتى تضمن الحريات الأساسية وفي مقدمتا حرية التعبير. تلك السلطة التي ضحى شعبنا الأبي و زعماءه الأبرار الكثير من أجل استرجاعها من مخالب المستعمر  وكانوا عاقدين العزم على مراقبة أعمالها عن طريق برلمان فاعل مستقل  يمثل  بحق مختلف شرائح المجتمع ومختلف جهاته.                                                                  
بقيت السلطة في بلادنا بعد الاستقلال على غرار جل الدول العربية  وطيلة نصف قرن محتكرة في يد واحدة , ولكن كانت اليد الأولى مصلحة وعبقرية  ولكنها فقدت قدراتها ومواهبها مع تداعيات المرض ثم الشيخوخة. و كانت اليد الثانية غادرة فبعد أن وعدت الشعب بالديمقراطية ألتفت تدريجيا على الحكم حتى أصبحت يدا أثيمة وناهبة ثم مجرمة.   في هذا اليوم يملي علينا الواجب قبل كل شيء أن نترحم على كافة شهداء الوطن اللذين ضحوا بأرواحهم الزكية  في سبيل تحرير البلاد من المستعمر و كذالك كل الذين واصلوا النضال في سبيل تجسيم الحرية والكرامة والحقوق الأساسية لكافة الموطنين والمواطنات وذلك انطلاقا  من شهداء معارك التحرير من الاستعمار حتى شهداء ثورة الحرية والكرامة الذين فتحوا لنا صفحة جديدة في تاريخنا  مطالبين باستكمال الأهداف الحقيقية لاستقلال.
نتمنى أن تحافظ بلادنا مع هذه الصفحة الجديدة لتاريخنا على كل ما تحقق من مكاسب عديدة ميزت بلادنا منذ  السنوات الأولى من الاستقلال كما نتمنى أن تأسس هذه الصفحة الجديدة لتجسيم الديمقراطية الحقيقية لتدارك  وللقطع النهائي مع الأخطاء والانزلاقات والانحرافات الخطيرة التي بلغت ذروتها في بلادنا خلال العشرية الأخيرة. و قد كان جيلنا عاجزا عن التصدي لسيل من الفساد الجارف. ولم تكن لي ولا لأغلب أبناء جيلي الجرأة - التي تحلينا بها في شبابنا تحت جبروت المستعمر- للاصداع جهارا  بما كان يخالج نفوسنا من إحباط وتنبؤ بسير بلادنا إلى الهاوية في السنوات الأخيرة وخصوصا منذ أحداث الحوض المنجمي  بقفصة في سنة 2008 .                                                                                                  
 و جاءت ثورة شباب 2010 و2011لتكسر القيود . و كنت من بين العاجزين عن الإسهام في تفكيكها أو حتى في التخفيف من وطأتها. فتحية إكبار و تقدير لشبابنا ولكل من استطاع الإسهام معه في إسقاط نظام أصبح جائرا وشمولي وفاسد.                                                                                             
والشكر مجددا لمؤسسة التميمي للبحث العلمي التي يديرها ويرعاها بكل اقتدار الأستاذ عبد الجليل التميمي لما بذلته من مجهودات متواصلة في سنوات الجمر لفسح المجال واسع لتوفير قاعدة معلومات متنوعة ومخزون من الشهادات الثرية التي تعين المؤرخين والباحثين على التدقيق وإعادة كتابة تاريخنا بصفة موضوعية ونقية بعيدا عن كل توظيف.
إن الهدف الأساسي حسب تصوري من حوار اليوم يمكن في محاولة متواضعة للإسهام في استخراج بعض الدروس والعبر من عينة من الأحداث والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها بلادنا, ابتداء من ثلاثينات القرن الماضي حتى سنة 2010. مع الإشارة إلى أن الأخطاء والانزلاقات التي سنتعرض لها لا تنقص شيئا من تقديرنا الصادق للانجازات الكبرى التي تحققت وغيرت وجه الوطن وتقديرنا المتواصل لقائد تحرير وطننا وباني دولة ما بعد الاستقلال الزعيم الحبيب بورقيبة. وكذلك تقديرنا لزعمائنا ولمناضلي ومناضلات الحزب الحر الدستوري الذي أعتز أن انتميت إليه وكنت أمين ماله وأمينه العام في ظروف جد صعبة يعرفها الجميع. وتحية إخلاص لكل من عمل معي في تلك الفترة الحالكة متألما كما تألمت وأرهق نفسه, كما أرهقت نفسي حتى خففنا قدر الإمكان على شعبنا وطأة الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائدا في تلك الفترة وأقصد بالخصوص فترة 1986 -1987. وقد أدى جيلنا الواجب حسب ما يمليه الضمير في نطاق ما كانت تسمح به الظروف وجنبنا الدولة الانهيار والإفلاس.
والحق يجب أن يقال: لقد تميزت بلادنا, من حسن حظها, في مختلف مراحل تاريخها المعاصر بعدد كبير من الإطارات والمناضلين والمواطنين الأحرار في كافة الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة الذين تحلوا بثبات على القيم العليا والكفاءة وبقوا بعيدين كل البعد عن ملابسات التكالب عن الحكم وعن السعي للمناصب أو الكسب الغير شرعي وكان دوما ديدنهم القيام بالواجب والحفاظ على المصالح العليا للبلاد من موقعهم. وهذا العنصر يفسر إلى حد كبير تمكن تونس من تحقيق استمرارية الدولة وحماية الشعب قدر الإمكان من التداعيات الخطيرة للأزمات المتتالية التي مرت بها البلاد وبقيت صامدة وواصلت تقدمها ولو بتعثر أحيانا... فإلى هؤلاء جميعا منا أجمل التحيات أن كانوا أحياء ورحمهم الله عز وجل برحمته الواسعة إن كانوا قد غادرونا.
أنطلق في هذا الحديث معكم من هذا السؤال الأساسي المؤرق و ما يترتب عنه من أسئلة فرعية: لماذا لم تتجذر في مجتمعنا ثقافة الديمقراطية الحقيقة وثقافة حقوق الإنسان ودولة القانون الحق مع بداية الحصول على الاستقلال, وذلك في الوقت الذي كانت بلادنا مؤهلة موضوعيا لمسار سياسي ديمفراطي أكثر من بقية الدول العربية الإسلامية, وهذا نظرا لعدة عوامل تاريخية وتربوية وبالخصوص نظرا لغزارة الحركة الفكرية السياسية والثقافية الذي ميزت نخبنا قبل الاستقلال, ومنذ القرن التاسع عشر وخاصة في ثلاثينات القرن العشرين؟ هل كانت الأسباب تاريخية بحتة؟ أم هي نتاج طباعنا وشخصيتنا ومزاجنا؟ أم أننا لم نحسن تجذ ير السلوك الديمقراطي أثناء مسار الحركة الوطنية؟ أم إننا لم نعمق التفكير في قضية الغاية والوسيلة في مجال العمل السياسي وقضية القيم والأخلاق في الشأن العام؟
ألم يقل أحمد شوقي "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت, فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا"...
فهل نبل الهدف يبرر استعمال كل الوسائل حتى القذرة منها... وقد قال بورقيبة في خطاب له بتاريخ يوم 10 جويلية 1965 بوضوح: "الغاية لا تطهر إلا بطهارة الوسائل المستعملة لبلوغها, وإلا فهي مهددة في جوهرها بحكم ما يتسرب إليها من فساد؟" فهل طبقنا ذلك في كل المجالات؟ هل ألتزم جميعنا بذلك الشعار الذي طالما رددناه: الصدق في القول والإخلاص في العمل؟
أقترح أن تكون هذه الأسئلة المؤرقة حاضرة دوما في أذهاننا أثناء هذه المحاولة المتواضعة والتي سوف أستحضر فيها بعض الذكريات عن مسيرة ولدي مع رفيق دربه المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة, ثم أنتقل باقتضاب – إن سمح الوقت- إلى عينة من الأحداث التي عايشتا والتي كان بالإمكان تفاديها لو توخينا المنهج الديمقراطي الحقيقي ولو على أسس المنهجية المرحلية التي ميزت تفكير الزعيم الحبيب بورقيبة !
أعتقد أن هذه المجموعة من الأسئلة تبقى محيرة وإذا لم نجب عليها في هذه الفترة التاريخية الهامة, فسنعرض وطننا إلى نكسة ثانية, في الوقت الذي يتحتم علينا أن ننطلق في بناء نظام سياسي سليم يصمد أمام الهزات. إن الديمقراطية الحقيقية بما فيها من مخاطر تبقى أفضل مميزات النظم السياسية و جميعكم يعرف الكلمة الشهيرة لوستون تششيرل: والوزير البريطاني الأسبق, الديمقراطية ليست بنظام مثالي ولكنها أقل الأنظمة فسادا ونقائص, النموذج المثالي لا يوجد فوق الأرض ولا توجد المدينة الفاضلة التي حلم بها أفلاطون, ولكن بين مدينة فاسدة ناهبة ومدينة ترسي قواعد نظام يحاول ويسعى موضوعيا لإثبات حقوق الناس ويدعو المواطن إلى القيام بواجباته واحترام حقوق الآخرين, هنالك فرق شاسع يحثنا على الانطلاق الآن في التعمق في بعض الأحداث التي عاشتها بلادنا أثناء معركة التحرير وأثناء بناء دولة ما بعد الاستقلال واستخلاص كل العبر منها حتى لا نعيد نفس الأخطاء.
لا يمكن أن نسمح لأنفسنا في تقييمنا لتاريخنا المعاصر بأن نضع الفترتان, فترة الرئيس بورقيبة ودولة ما بعد الاستقلال, وفترة بن علي في نفس ألواد, كما أسمع ذلك, في كثير من التصريحات, فهذا ليس فقط فيه إهانة لزعيم أحببناه وقدرناه وبقينا نحبه, بل هي إهانة لكل الشعب التونسي و بما فيهم من يتفوه بهذا الكلام, هم يهينون أنفسهم ويحطون من مستواهم وينزلقون في منزلق خطير, الحكم عن مرحلتين مختلفين يجب أن يوضع في إطارهما العام وفي محيطهما الجيوسياسي والتاريخي, ولا يمكن أن نحكم على الفترة البورقيبية دون أن نضعها في الإطار الزمني والجيوسياسي الذي عاشته, وبالرجوع إلى تلك الفترة  نلاحظ بسهولة أن تونس كانت في مقدمة الدول الأفريقية التي استقلت, ربما سبقتنا ليبيا, حصلت على استقلالها في ظروف سهلة بعد انهيار إيطالية في الحرب العالمية الثانية وتونس كان حصولها على الاستقلال صعب وصعب جدا, وهنا ربما أشير في هذا السياق إلى أحاديث عديدة دارت بين والدي وصديقه الحميم الزعيم الحبيب بورقيبة حول منهجية التحرير من الاستعمار وتأثرها في ما بعد على طبيعة النظام السياسي بعد الاستقلال. أن والدي ربما كان أقرب من المفكر  من السياسي والحزبي  الذي يفكر أساسا في تكتيك معين لبلوغ أهدافه. وكانت حواراته عديدة مع بورقيبة لتصوره للمنهجية التي يتعين إتباعها من طرف الحزب الحر الدستوري الذي انشق لأسباب يعرفها الجميع, وهذه المنهجية تهدف أساسا إلى بعث حزبا ديمقراطيا جماهيريا على غرار الأحزاب الغربية والغير شمولية وهذا ما أصدع به والدي من اليوم الأول ضمن الكلمة التي أفتتح بها مؤتمر قصر هلال الشهير سنة 1934 وعندما توفي والدي كنت في التاسعة من عمري  ولكن أخبرني بالخصوص عمي أحمد صفر وحدثني طويلا عندما كبرت عن علاقة والدي وجدالا ته مع الحبيب بورقيبة. كان والدي- ويلتقي معه في هذا التوجه الدكتور محمود الماطري والبحري قيقة – مقتنع كامل الاقتناع  أن انسلاخ  المجموعة الشابة عن اللجنة التنفيذية و تصميمها على بعث الحزب الدستوري الجديد كان أساسا يهدف  للخروج من احتكار النفوذ الفردي- ولا ننسى أن الانطلاقة هي توجيه لوم وتوبيخ لبورقيبة من طرف بعض أفراد من اللجنة التنفيذية بدون احترام مقتضيات النظام الداخلي للحزب- و كان الحبيب بورقيبة قد قام بمبادرة من المفروض أن يشكر عليها ورأى بورقيبة بأنه لن يبقى في حزب لا يمكنه من أبسط المبادرات وتنفرد بعض القيادات فيه بأخذ القرار دون الرجوع إلى الهياكل. السبب الأول لبعث حزب جديد كان  إذا أخذ قرار فردي تعسفي. لو كانت فكرة الديمقراطية موجودة ومرسخة والثقة كاملة الشروط لكان اجتماع للجنة التنفيذية بحضور الجميع وحصل حوار يجنب الانقسام. إذن بالرغم من تواجد لحركة فكرية غزيرة ونيرة وتعددية في تلك الفترة كانت أحزابنا منذ البداية تتصرف بنوع من التصلب والانفراد  بالقرار.والانشقاق كان ثورة  على الانفراد بالقرار في التسيير و كذلك على طرق اعتبرت بالية للعمل في الحزب وكذب عن الشعب وعدم الالتصاق بالشعب والرفع من مستواه والشعور بأن الحزب كان نخبوي خاصة بعد مغادرة الثعالبي. وهذا الذي يجب إبرازه لنفهم كيف أن فكرة الديمقراطية التي ربما غذتها الحركة الفكرية لم تجد لها تجسيما في الواقع اليومي لتسيير الحزب القديم.  وستتكرر كما سنرى البعض من نفس الأغلاط في الحزب الجديد: ففي قصر هلال عندما انبعث الحزب كانت الكلمة الأولى ألقاها والدي في الصباح والكلمة الأخيرة ألقاها الحبيب بورقيبة في المساء, وبالرجوع إلى الوثيقة التي لخص فيها سعيد بوبكر أشغال  المؤتمر تحت إسم دستوري محايد, نجد أن من أول الجمل التي نطق بها والدي هي "حزب ديمقراطي على غرار الأحزاب الغربية الكبرى, هذا في اعتقادي أمر هام. انبعاث الحزب الجديد  كان مقترن بإرادة قوية تقاسمتها المجموعة الباعثة للحزب بقناعة كبيرة و كانوا يتصورون أنه  محتم عليهم أن يأتوا بالحجة للمستعمر وللرأي العام الداخلي والدولي أنهم بمستواهم التفكيري و في مستواهم التنظيمي  وفي أسلوبهم في العمل السياسي لا يقلون مستوى عن الأحزاب المتواجدة في فرنسا,  وكانوا مقتنعين بأن المفهوم القانوني لنظام الحماية يتضمن نهايتها متى يصبح الشعب التونسي قادرا على تسيير نفسه بنفسه, الحماية بحكم التحليل القانوني وبحكم مجرى التاريخ ستزول  يوما. فشعر زعماؤنا بأنه حان الوقت لكي يدخلوا في عمل جاد وطويل النفس  للإعداد الشعب وتثقيفه وتأطيره و تكذيب ما كان يدعيه المستعمر بأن الشعب التونسي شعب غير قادر على تسيير شؤونه بنفسه وغير قادر على بعث نظام يضمن الاستقرار والأمن والعدل ويصمد. وكانت المجموعة الباعثة للحزب الحر الدستوري الجديد  بمستواها التكويني و بمستواها التفكيري واعية كل الوعي بأنه يتحتم  عليهم أن يثبتوا في بلادهم ثم في الخارج إنه يوجد في تونس حزب مهيكل له نظرية عصرية لنظام الحكم وله برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي و ثقافي مماثل لما هو موجود في الغرب. وهذا هو التحدي الأول الذي وضعوه نصب أعينهم. ولكن ضمن هذه المجموعة كان من بينهم قائد له إرادة أقوى من غيره وله شخصية أقوى من الآخرين وكانت له شعلة في نفسه يريد أن يسبق الأحداث ويريد أن يسرع ويريد أن يسبق الآخرين ويريد أن يصنع الأحداث. فلهذا دخل في مرحلة توسع الحزب وتوسع عدد تركيز الشعب ولكن لم يعطي أهمية لصياغة برنامج سياسي واقتصادي حتى تكتمل نظرة هذا الحزب الواعد, فالمؤتمر الذي عقد سنة 37 على سبيل المثال اقترح وكان ذلك بإصرار من المرحوم والدي والمرحوم الهادي شاكر أن تتكون لجان وأن يكون للحزب إلى جانب منهجيته السياسية برنامج اقتصادي واجتماعي عملي. ولم يحدث ذلك مع الأسف وتحملت البلاد تبعات هذه الغلطة.  وسرعان ما شعرنا بهذا الفراغ  عندما تقلد الحزب أعباء الحكم في ستة 1955, وفي آخر الأمر أخذ الحزب برنامجا صمم بعجل من طرف هيكل ثاني كان له دور هام في المشاركة الفاعلة في معركة تحرير البلاد, وهو كما نعلم الاتحاد العام التونسي للشعل. وإن كانت بوادر هذا البرنامج أقحمها الأستاذ الفيلالي في مؤتمر الحزب بصفاقس, و كانت مجرد خطوط كبرى أما البرنامج في تفاصيله لم يقدمه الحزب بل قدمت منظمة ساهمت بقسط كبير وساهم باعثها الشهيد فرحات حشاد, في مرحلة حاسمة لبلوغ الاستقلال ولكن كان على الحزب أن يكون له برنامجه هذا إذن الخطأ الأول.
وأنا أتكلم أعتقد أن في فكر الجميع أننا في المرحلة الانتخابية الحالية التي عشناها منذ أسابيع, شعرنا بأن الكثير من الأحزاب التي تقدمت للناخبين لم يكن لها برنامج اقتصادي عملي يأتم معنى الكلمة إلا عدد قليل من الأحزاب. وهذا هو نفس الخطأ الذي وقع فيه سابقا الحزب الحر الدستوري الجديد. في مرحلة محاولتها لتكسير النظام ولتغيير النظام لم تنكب الأحزاب التونسية على صياغة برامج اقتصادية واجتماعية قابلة للتطبيق في الوقت الذي لا يمكن الحديث عن سياسته في ظل غياب برنامج اقتصادي واجتماعي عملي, ولا يمكن تأسيس دولة دون برنامج اقتصادي عملي ناجع وقابل للتطبيق.
إذن ليس فقط المحنة اليوسفية التي عاشتها بلادنا والتي كادت أن تؤدي بنا إلى حرب أهلية هي التي تفسر وحدها إلى حد بعيد جنوح الزعماء إلى التفكير في نظام سلطوي وقد اقتنع بذلك بورقيبة ولم يكن الوحيد بل سانده الفريق الذي  كان حوله أيضا في فترة 1956-1962.و من خلال ملابسات الفتنة اليوسفية تبين للمجموعة إن الشعب التونسي لم تكتمل بعد لحمته ولم يكتمل تثقيفه ولا بد إذن من نظام قوي مدعم بحزب قوي ويقوم بعمليتين أساسيتين: استكمال توحيد هذه الأمة وتدريبها على  مقتضيات العيش معا و تدريبها على مراحل على العمل الديمقراطي, وهنا برزت فكرة الوحدة الوطنية وفي نفس الوقت بناء مؤسسات الدولة الجديدة والإقدام على تحديات مقاومة التخلف الاقتصادي والاجتماعي وهو أمر جبار, وللتذكير ولوضع الأمور في إطارها, فعندما خرجت فرنسا من بلادنا, كنا حوالي 3 ملايين ساكن, 60% من بينهم في حالة سوء تغذية وهذا ليس كلام الدستوريين, أرجع إلى وثيقة لا يعرفها منكم الكثيرون, وثيقة محاضرة  Raymond Barre وتجدونها في مجلة Ibla محاضرة طويلة كان لي الحظ في ذلك الوقت أن حضرتها في السنة الجامعية 1953-1954 سنة قبل الاستقلال الداخلي وقيل لي أن مكتبة Ibla قد حرقت ولكن من حسن الحظ أنني أحتفظ بنسخة  من هذه الوثيقة الهامة- أضعها على ذمة الباحثين الجديين- لأن الأستاذ الفرنسي ريمون بار- الذي سيصبح وزيرا أولا في ما بعد في بلاده- كان متملكا بالعلوم الاقتصادية الحديثة أحسن تملك, وفي ذلك الوقت كان يدرس في معهد الدراسات العليا  بتونس وكنا من بين تلاميذه في دروسه  الخاصة بالاقتصاد السياسي ومن هذه الدروس ألف كتابه في جزأين le traité d’économie politique الذي سمي سنوات طوال LE BARREوتناولته أجيال من الطلبة وترجم إلى عدة لغات وبقي إلى اليوم كتابا مرجعيا. ويأسفني كثيرا  أن ألاحظ أن الاقتصاديين الجدد الذين انغمسوا في اختصاصات ضيقة دون أن يمروا من تكوين جيد في هذه المادة الأساسية ألا وهي مادة الاقتصاد السياسي التي تعطي لمن يريد أن يتوغل في العلوم الاقتصادية الأسس الأولى لمسار تطور العلوم الاقتصادية, و قد أصبح مع الأسف الكثير من دارسي علوم الاقتصاد- منذ ثمانيات القرن الماضي- ينتقل بسرعة إلى اختصاصات في هذا المجال و يتعمق في الأمثلة الرياضية دون أن تكون له هذه القاعدة الأساسية الضرورية ألا وهي التكوين في الاقتصاد السياسي. والأزمة العالمية المالية قد أبرزت بحدة هذا النقص في تكوين المختصين الجدد في الاقتصاد. وأقدمت أكبر الجامعات الأمريكية بعد الأزمة على مراجعة برامج الدراسة في الاقتصاد لإرجاع الاقتصاد السياسي كمادة إجبارية .
ولا أدري هل في بلادنا وقع إصلاح برامج التكوين الاقتصادي  على ضوء الأزمة العالمية؟
لنعد إلى قضية ترسيخ المسار الديمقراطي وأخطاءنا في عدم ترسيخه منذ الاستقلال. أريد التأكيد على أني لا أدعي أني أقول حقائق مطلقة في هذا الموضوع الهام. وأتصور أنني دخلت في تحليل معقد تختلف فيه الآراء وتعدد فيه التحاليل ولكن لا مناص في اعتقادي من خوضه. لم نقدم بما فيه الكفاية في 50 سنة الماضية على التعمق وتوسع رقعة الحوار, حول شروط وضرورة تركيز النظام الديمقراطي ونعرف الآن كيف كانت العاقبة, فمن الغباوة أن نعيد الخطأ وأن لا نتعمق في مسيرتنا الماضية بموضوعية حتى نبرز بدقة كل إيجابياتها وكل نقائصها. أتمنى أن أكون مخطئا:  إذ أني أخشى أننا سنعيد نفس الأخطاء لذلك أنا لست مع فكرة الشهادة التاريخية للشهادة فقط. أنا مع فكرة الشهادة التي وراءها هدف هو الاستعاضة وأخذ العبر والنقد الذاتي, لأن بناء الدول وبناء الأنظمة السليمة لا يتم إلا بتراكم المعرفة وبتراكم التجارب واستخراج الدروس كل الدروس من التاريخ. فإن استمر الحال على ما هو عليه وبقي كل جيل يقوم بتجربته ثم ندون هذه التجربة ونكتبها ونقدم شهادات عنها ويأتي جيل آخر لا يبالي ولا يتعض بتلك التجربة وينتقل إلى تجربة أخرى لا نحصل في المجتمع  على التراكم المعرفي الذي بدونه لا تبنى الدولة السليمة والحوكمة الرشيدة التي تنطلق في مسار تقدمي بدون إشكال.
لذلك ألح على شعوري بأن النقائص انطلقت منذ معركة التحرير وعندما أقول على سبيل المثال إن زعماءنا أخطو سنة 1937 لعدم تركيز لجان تتعهد بإعداد برنامج اقتصادي واجتماعي للحزب الحر الدستوري الجديد أشير إلى هفوة خطيرة دفعنا ثمنها غاليا فيما بعد. وعندما أقول بأن حزبنا بعد مؤتمر 1937 عندما لم يحترم الديمقراطية ولم يرسخ المنهج الديمقراطي لا داخل الحزب و لا في تثقيفه للشعب أشير إلى خلل يفسر إلى حد كبير غياب الديمقراطية في بلادنا حتى  انفجرت الثورة. لقد مهدنا منذ بداية معركة التحرير إلى الحكم الفردي لأنه حتى مؤتمر 1937 يمكن أن نقول أن الحزب الحر الدستوري الجديد بقي  وفيا لمنهجيته الديمقراطية في أخذ القرار,و في احترام قانونه الداخلي الذي كان لوالدي الفضل في تحريره من ألفه إلى ياءه, وكان واعيا كل الوعي بدور كل فصل وأهمية احترام كل فصل من هذا القانون.  بدأ الإخلال باحترام القانون الداخلي للحزب في دورة المجلس الملي الذي انعقد في مارس 1938 ولم  يقع إحترام القانون الداخلي للحزب أولا في مشاركة في الاجتماع بالإضافة إلى أعضاء المجلس الملي المنتخبين عدد قرابة 20 أو 30 مناضلين آخرون رأى الزعيم بورقيبة ضرورة في دعوتهم لأنه توسم فيهم الخير وأقحمهم في الاجتماع بدون أن يكون ذلك القرار متفق عليه في اجتماع الديوان السياسي. ثم وقع اختراق القانون الأساسي ثانية عندما لم تعرض مشاريع اللوائح على مداولات الديوان السياسي  قبل عرضها على المجلس. وترتب عن هذا الإخلال الإشكاليات التي برزت في الاجتماع.
الإشكال الأول تمثل في عملية انتخاب الرئيس الجديد للحزب وتعلمون جميعا أنه قبل انعقاد المجلس الملي في 13 مارس 1938 كان الرئيس محمود الماطري قد استقال. وكانت الاستقالة على مرحلتين: استقالته الأولى لم ترضي أعضاء الديون السياسي, لأنه بين في الرسالة بالتفصيل الأسباب الحقيقية لاستقالته. وأقر جميع أعضاء الديوان السياسي أن ننشر الرسالة في صيغتها الأولى سوف تجلب ضررا لإشعاع الحزب  فكلف وفد  من الديوان السياسي متكون من يوسف الرويسي والطاهر صفر للتحاور مع محمود الماطري وإقناعه بتعديل رسالته والاكتفاء بالإشارة إلى أوضاع صحية تفسر انسحابه من الرئاسة. وكان والدي في تمزق نفساني كبير  وقال لعمي أحمد: 'عندما غادرنا الدكتور الماطري بعد أن حصلنا على الرسالة الثانية, وأقنعناه بالاكتفاء بالإشارة إلى أوضاع صحية, كانت عينيا ممتلئتان بالدموع لأني كنت  متأثرا و مقدرا  نبل هذا الرجل الذي كان له الحق في التمسك بأفكاره ومبادئه والاصداع بها لمن منحوه ثقتهم لرأسه الحزب." وهذا ليس بالأمر البسيط كما يتصوره البعض  بل هو أمر أساسي ومن البديهيات لتجسيم والتدرب على العمل الديمقراطي السليم. فرصة أخرى تضيع للتمرس على الديمقراطية.
ثم و خلافا لما ورد في بعض الكتب في ما يتعلق بانتخاب الرئيس الجديد في اجتماع المجلس الملي يوم 13 مارس 1938 لم يقع اقتراح من أي كان اسم مرشح للرئاسة الحزب و عرضه على التصويت, بل قام جميع الحضور بعفوية وهتفوا باسم الطاهر صفر لتحمل أعباء رئاسة الحزب. ووجد الطاهر صفر أمامه إخوانه المناضلين ينادونه بتحمل المسؤولية, فقبل المسؤولية متأثرا ومتصورا أن هذا الحماس الذي أبدأه هذا الإجماع مرتبط بقناعة من طرف كافة المشاركين بأفكاره وتصوراته بالنسبة لمرحلة خطيرة في مسار الحزب. ولكن سرعان ما خاب ضنه إذ  فوجئ  بعد حوالي ربع ساعة بتقديم لائحة سياسية تتلى على المجلس وتوجد فيها فقرة خاصة بالتصعيد كان والدي قد طلب إزالتها في اجتماع الديوان السياسي وحصل الاتفاق على ذلك بعد اقتناع الحضور بصحة وجهة نظره. وكان للطاهر صفر تحليل معمق يفسر به خطورة وعواقب التصعيد على الحزب في تلك الفترة .. وكان المناضلون يعرفون حق المعرفة أن الطاهر صفر رجل رصين يخاطب الفكر قبل مخاطبة العواطف ولا ينزلق إلى الانفعال. ولكن انفعل الطاهر صفر في ذلك اليوم و بشدة وهو الذي عادة لا ينفعل وخرج من المجلس الملي بعد الإعلان عن تخليه من الرئاسة التي كان قد قبلها لبرهة من الزمن. و كان في قرارة نفسه مصمم على الاستقالة  كذلك من الديوان السياسي.
 أمام هذا الوضع لم يرى بدا الرئيس بورقيبة إلا أن أتى إلى منزل صديقه و ذلك حوالي أسبوع بعد انعقاد المجلس الملي, كان المنزل في باردو بنهج البرتقال وكنت في الخامسة من عمري. أتى الرئيس بورقيبة مع ابنه ودخل للحوار مع والدي, وانفرد به وكان الحديث طويلا في ذلك اليوم بين الحبيب بورقيبة و صديقه الطاهر صفر, ولم أعلم بفحواه إلا بعد أن كبرت ورأى عمي أحمد صفر من المفيد إعلامي بمضمونه. وكان والدي بعد أن خرج من السجن العسكري والمدني في سنة 1939 قد بدأ في تحرير مذكراته لتغطية الفترة بين 1936 إلى سنة 1939 وليروي لنا كل ملابسات تلك الفترة الغزيرة بالأحداث ولكن لما زاره الدكتور محمود الماطري في منزله ولاحظ خطورة وضعه الصحي وطلب منه الانتقال بسرعة إلى مستشفى العزيزة عثمانة, طلب والدي من والدتي قبل أن يخرج من المنزل أن تحرق ما حبره وقال لها بالحرف الواحد: "ما حبرته قد كتبه للتاريخ ولكن نحن الآن نعيش تبعات حرب عالمية وربما تمسنا هذه الحرب"- وكان هذا الكلام في 5 أوت 1942  - وأضاف والدي : "ربما تسقط هذه الأوراق في أيادي  تريد الضرر بالحزب وتضر ب مستقبل البلاد." ولم يخرج والدي من المنزل إلا بعد التأكد من حرق المذكرات التي حبرها, و بقي حتى الآن أمام عينيا دخان هذه الأوراق التي كتبها  والدي على أوراق صفراء بحبر بنفسجي وملأ بها "قجرين" من مكتبه بالمنزل. ويبقى ما رواه والدي لجدي ولعمي أحمد عن تلك الحقبة من تاريخ بلادنا شيء قليل بالنسبة للتفاصيل التي كان قد كتبها ثم أذن بحرقها.
وما بلغني عن فحوى الحوار المطول الذي دار بين الزعيم الحبيب بورقيبة  و والدي هو مجرد حوصلة تفيد بأن بورقيبة أتى أساسا وقتها ليقنع والدي بعدم الاستقالة من الديوان السياسي. وقال له أنه بعد استقالة سي محمود الماطري تصبح  هذه الاستقالة الثانية مضرة بالحزب. وكان بورقيبة لا يتصور أن يرضى الطاهر صفر المضرة بالحزب. ثم أردف بورقيبة قائلا: "نحن بعثنا حزبا كبيرا وجماهيري على غرار الأحزاب العصرية التي تتعايش فيها تيارات مختلفة  تتفق على الهدف الاساسي و يمكن أن تختلف في بعض السبل والمناهج.  وهذا أمر معقول و مقبول أن يتواجد بحزب كبير تيارات تتفق على الأهداف ولكن ربما تختلف على الجزئيات. ولكل تيار الحق في أن يجاهر بأفكاره. أخذت يا طاهر موقفا معروفا من الخاصة والعامة, وموقفك موجود بالجرائد العربية والفرنسية والمناضلون مطلعين على موقفك والسلط الاستعمارية على علم بمواقف كل منا. ثم من حق كل طرف أن يجاهر كلما اقتضى الأمر ويتمسك بموقفه."
فعلى هذا الأساس تراجع والدي عن قرار استقالته من الديوان السياسي ولكنه اغتنم الفرصة ليعيد لذاكرة زميله عدد من المواضيع التي كان قد تناولها بالتحليل معه مسبقا:  وفي مقدمتها قضية الأحزاب الكليانية الستالينية منها والنازية والفاشية,  وقال له ربما هنالك قليل من الإخوة في الحزب تمكنوا من دراسة الكتاب الردي ولكنه خطير ,كتاب  "أدولف هتلر"  Mon Combat قال له أنا درسته بإمعان وبقيت أتابع بصفة دقيقة الأوضاع العالمية, نحن مقبلون على فترة  حاسمة في تاريخ الإنسانية سوف تغير الوضع الجيوسياسي وموازين القوى على مستوى العالم, ثم نحن لنا حزب ديمقراطي له تصوراته  لنظام الحكم الذي يبتغيه ويريد أن يكسب الاستقلال بعمل سياسي منظم. فلا بد لنا من الآن أخذ موقف كتابي من الفاشية ومن النازية بالخصوص, وفي ذلك العمل مصلحتان: فأولا عندما نأخذ هذا الموقف الكتابي نتوفق إلى توعية إطارات الحزب بأبعاد وأخطار هذه الأنظمة التي تسعى الأحزاب الشمولية فرضها على الإنسانية جمعاء, بما فيها الدول التي تطمح لتحصيل على استقلالها. والمصلحة الثانية تكمن في الاحتفاظ بوثيقة مرجعية رسمية نستظهر بها عند الحاجة لتبرئة ذمة هذا الحزب من الاتهامات المغرضة التي من الآن نلاحظ بوادرها. ونجد في الجرائد نعوت من طرف غلاة الاستعمار بأن الحزب الدستوري الجديد عبارة على مجموعة من الفاشيين أو المتعاملين مع الفاشية, وهي اتهامات خطيرة. "
 تجاوب الرئيس بورقيبة مع هذا التحليل, وقال لي والديك" أفهم كل ذلك ولكن أختلف معك في التوقيت لأني الآن منكب على عملية التصعيد  التي سأقدم عليها, وأنا على يقين من وضرورة القيام بها. وهنالك كر وفر في الظرف الراهن و إن لم أقم بالتصعيد ستظهر مزايدات داخل الحزب ويفلت ربما الحزب من يدي, أو يفقد الحزب مصداقيته. "   كان هذا الحوار بين الرجلين حوارا ثريا ومصيري. وقد أظهرت أحدث المستقبل صحة و وجاهة النظريتان:أحداث أفريل 1938 أعطت للحزب الحر الجديد مصداقية نضالية كبيرة ولكنه تتضرر كذلك كثيرا وكانت رسالة بورقيبة  للحبيب ثامر المنبهة من التعاون مع النازية متأخرة..... ولم تعوض الوثيقة  المرجعية التي نادى بها والدي ولم تنجز... ولو أنجزت هذه الوثيقة ألم يكن لها دور لترسيخ منهج ديمقراطي ولو في عدد من مناضلي الحزب؟
ونلاحظ أن هذا الخطأ – عدم أخذ موقف واضح ومبكر من النازية- قد حرم الحزب من أن  تكون بين أيدي مناضليه وثيقة بها تحليل لعيوب كل من النظام النازي والفاشي ومع انعدام وجود مثل هذه الوثيقة لم يكن للحزب الحر الدستوري الجديد موقف واضح من هذه الأنظمة وربما يقي نفسه من لا ينزلق في بعض سلوكيات هذه الأحزاب الشمولية.. و قد دفع  التونسيون الذين تعاونوا مع الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية ثمنا باهظا لان الحزب لم يقم بواجب التوعية والتنبيه في الوقت المناسب. وإن نلاحظ بعض الأخطاء وبعض الانزلاقات في الحزب أثناء معركة التحرير تفسرها صعوبة مقاومة المستعمر وما يحتمه من ضرورة الانضباط فلا نجد مبررات  مقنعة للزيغ نحو الانفراد بالحكم وتغييب المنهج الديمقراطي في هياكل الحزب في فترة ما بعد الاستقلال وخاصة ما شهدناه بعد مؤتمر بنزرت عندما أصبحت اجتماعات لجان التنسيق الحزب تحت رئاسة الوالي وفي مؤتمر سنة 1986 عندما أصبح حتى أعضاء اللجنة المركزية معينون. وضاعت فرصة دمقرطة الحزب في مؤتمر المنستير سنة 1971 وكلنا يعلم أنه لا يمكن أن يخرج من رحم حزب شمولي إلا نظام حكم سلطوي. وكانت نهاية الحلم بإرساء نظام ديمقراطي في بلادنا في سنة 1975 مع إقرار الرئاسة مدي الحياة.
وفي المرحلة الأولى من بناء  مؤسسات البلاد بعد الاستقلال تحمس الجميع, وأعترف أني كنت من بين الذين تحمسوا إلى مفهوم الوحدة القومية, وأتذكر أني أصدرت  في سنة 1956مقالا في مجلة السبيل مجلة الكشافة الإسلامية التونسية جوابا على سؤال توجه لي به القائد محمد التريكي: كيف ترى الغد بعد تحقيق الاستقلال؟  وكان عنوان مقالي إجابة عن هذا السؤال:   "جهاد متواصل من أجل تحقيق العزة والكرامة في وطننا"  ونبهت في المقال من مخاطر الأحزاب التي تغذي تطاحن الطبقات مثل الأحزاب الشيوعية. وأكدت في هذا المقال -رغم نقص خبرتي السياسية- على أنه لا مناص لنا في تلك الفترة إلا من وحدة قومية صلبة نتمكن بفضلها من تخطي تحديات جسيمة تنتظرنا.ولكن تصورنا للوحدة القومية كان لا يتنافى مع مسار ديمقراطي داخل الأحزاب وفي صلب النظام. وكان الانزلاق التدريجي نحو الحكم الفردي في وطننا بعد الاستقلال اختيار نابع من القيادة وأساسا من الزعيم الحبيب بورقيبة و بطانته الخاصة ولم يكن اختيار القواعد الحزبية ولا اختيار الشعب...
ومن منطلق تصوري كان بالإمكان إرساء نظام ديمقراطي تعددي مباشرة بعد  فشل تجربة تعميم التعاضد – هذه التجربة التي ذهب ضحيتها الأستاذ أحمد بن صالح في الوقت الذي كانت المسؤولية مشتركة. كما يعلم الجميع لم يقرر مؤتمر بنزرت تعميم التعاضد بل أقر منهجا تنمويا سليما يضمن التوازن و المبادرات في القطاعات الثلاث: القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع ألتعاضدي وكل ذلك مع ضمان حرية الاختيار ثم وقع الانزلاق نحو الإجبار ثم التعميم وهو تحول كبير كان يفرض الرجوع إلى مؤتمر جديد...ولكن وقع إقرار التعميم داخل للجنة المركزية بغموض كبير ولو كان الحزب ديمقراطيا في أخذ قراراته لما كان يحدث هذا الانزلاق الخطير. خضرت افتتاح مؤتمر بنزرت وكذلك الاختتام ودرست لوائح الحزب وكنت متحمسا للمنهج الذي توخاه الحزب لأنه كان منهجا ملائما في تلك الفترة لظروفنا الداخلية وكذلك للظروف العالمية وفعلا ساندت المنظمات المالية الدولية  ومنها البنك العالمي منهج التخطيط التونسي ومنهج التنمية الذي يعتمد على توازن ذكي في تطوير القطاعات الثلاث. وكنت أرى في تجربة التعاضد الاختياري وسيلة من وساءل مقاومة التشتت العقاري وكذلك وسيلة مثلى لتدريب التونسيين على العمل الجماعي- وهي صفة تنقصنا مع الأسف- وما يقتضيه من تنظيم محكم و شفافية وتعاون ولحمة اجتماعية. ولم وقع الاستمرار على هذا المنهج دون إجبار ولا تعميم مع توخي سياسة المراحل تتماشى مع تكوين الإطارات المقتدرة لكانت بلادنا تحصلت على نتاج باهرة خاصة في الفلاحة نلمس مزاياها حتى اليوم.كان التعاضد الاختياري الذي أوصى به حتى الاقتصادي الليبرالي ريمون بار ملائما تماما لأوضاعنا ويمثل التعاضد مدرسة للتدرب على العمل الجماني الضروري لانجاح كل عملية تنمية مستدامة وصلبة.
 وكثير من نقائصنا التنموية ترجع إلى ضعف قدرتنا في مختلف المستويات على العمل الجماعي لأننا نشكر تضخم الآن. وتضخم الأنا في مجتمعنا يخفض من نجاعة العمل ومن الإنتاجية على عكس ما هو موجود في اليابان وفي البلدان الأساوية. فالياباني وحده لا يقدر على القيام بشيء والعمل في اليابان هو عمل جماعي أو لا يكون. ورأينا في تمشي السليم للتعاضد فرصة ذهبية لتدريب تدريجيا التونسي على العمل الجماعي وانطلقت قضية التعاضد في البداية من خلال تمشي عقلاني. كنت في ذلك الوقت مسؤولا عن وكالة التبغ والوقيد  وكانت تسمى في مرحلة أولى مصلحة الاختصاصات, أرسلني لها الأخ أحمد بن صالح, كنت ملحقا بديوانة في سنة 1961,  مع عبد العزيز الأصرم و كان البشير ناجي رئيس ديوان. كنا في مكتبين متجاورين وكنا  في تلك الفترة على أبواب معركة بنزرت ومدني ذات يوم الأستاذ أحمد بن صالح بتقرير دسم فيه تدقيق لتصرف مصلحة الاختصاصات وهي مصلحة تابعة لوزارة المالية تموّل ميزانية الدولة, و مواردها كانت تقارب على الأقل 15% من موارد ميزانية الدولة. كان عمال وموظفو هذه المصلحة في غليان في تلك الفترة يتظاهرون أمام الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان على رأسه المرحوم أحمد التليلي ويطالبون بالتغيير وهم يصيحون " لا شىء قد تغير عندنا بعد الاستقلال" ويطالبون بمنحة الإنتاج . قدم لي أحمد بن صالح التقرير وطلب مني دراسته فطلبت منه مهلة ليومين أو ثلاثة للقيام بتلخيصه ولكن دعاني في الغد وطلب مني  أن أتحمل فورا مسؤولية إدارة مصلحة الاختصاصات, فأظهرت اشمئزازي و قلت له أنني وقلت له أنا لم أدرس من أجل  أن أصبح صانع سموم للمواطنين وأكره التبغ, فأعلمني أننا مقبلين على حرب ونحن نعيش ظروفا استثنائية وقال اعتبر نفسك أرسلت في مهمة أكيدة و وقتية لإنقاذ المؤسسة التي بها أكثر من ألف عامل.
هذه المسألة الوقتية تواصلت من 1961 حتى 1968 وفي غرة جانفي 1969 أصبحت المدير العام للأداءات. في مكان الأخ محمد السبع الذين كان قد  تولى الخزينة العامة. في مصلحة الاختصاصات عشت تجربة التعاضد في مرحلتها الأولى وذلك من خلال نشاطي عندما تكونت أول وحدات إنتاجية في الشمال الغربي وكان إنتاج التبغ في تونس الذي يمثل 50% من استهلاكنا جله يأتي من طبرقة و غار الدماء, و سجان, و جندوبة, حوالي 25000 عائلته  كانت تعيش من موارد زراعة التبغ و تراقب المصلحة سنويا الزراعة في مختلف مراحلها, حتى لا يقع التهريب ثم تتوالى المصلحة شراء المنتوج سنويا. فعندما أقحمت هذه العائلات  في الوحدات التعاضدية   ومن السنة الأولى انهار إنتاج التبغ إلى أكثر من 50%.
كتبت رسالة إلى وزير المالية والتخطيط السيد أحمد بن صالح وقدمت في الرسالة  مقترحات عملية لتلافي الأمر الخطير بعد أن درست الوضع مع المسؤولين عن زراعة التبغ في المصلحة و والي جندوبة, ووجدت منهم تقبلا لمقترحاتي, اقترحت وبينت أن خصوصيات زراعة  التبغ من مرحلة المشاتل إلى الزراعة ثم الحفاظ على ورقة التبغ ثم تجفيفها  تستدعي عمل مضني و عناية كبيرة تسهر عليها كافة العائلة حتى يأتي المحصول إلى الوكالة في ظروف طيبة و يكون شراؤها بثمن معقول يفي بحاجيات العائلات الفقيرة. وكنت أزور شهريا هذه المناطق وأتحدث مع هذه العائلات وعندما اكتشفت النتاءج الحاصلة بعد الاندماج في التعاضديات امتلأت عينيا بالدموع لأنني كنت أعرف وضع هؤلاء العائلات و أقدر تأثير ننقص ب 50% من مواردهم.
في نطاق خصوصية هذه الزراعة إقترحت على وزيري أن نتوخى التدابير التالية: تقوم التعاضدية بأشغال إعداد الأرض من حرث وغيره من الخدمات الجماعية ثم تخصص مساحة معينة لكل عائلة العائلة وتقوم العائلة بكافة بقية الأشغال حتى عملية التجفيف وتقدم العائلة محصول عملها للمصلحة لشرائها وتخصم من المبلغ كلفة خدمات التعاضدية. ضمنت كل هذه التدابير في الرسالة ووجهتها  غلى الوزارة وكنت أعرف عندما كنت في الديوان أن الأستاذ أحمد بن صالح يحمل نفسه قراءة كل ما يصله فلم يخاطبني الأستاذ أحمد بن صالح, بل خاطبني المدير خالد بن عمار الذي كان يشرف في كتابة الدولة للفلاحة على التعاضديات وهو زميل لي وقد درس بالمدرسة القومية للإدارة الفرنسية وهو ابن الطاهر بن عمار الوزير الأول الذي أمضى على اتفاقية استقلال تونس. اتصل بي و قال "سي رشيد قرأت رسالتك, هل تريد أن تهدم لنا مشروع التعاضد؟ فأجبته بأنني أعطيته  كافة المعطيات  ثم أني أرسلتها للوزير فما عليك إلا تبليغ إقتراحاتي للوزير كي نتلافى في الصابة المقبلة خسائر كبيرة للعائلات ولميزانية الدولة , أنا قدمت اقتراحاتعملية و لا تدخلني في مسائل إيديولوجية, أما أن تجيبني وإذا كنت لن تجيبني, أنا تحدثت مع والي جندوبة وهو موافق. وفعلا انطلقت في تنفيذ مقترحاتي  ورجع الانتاج إلى مستواه العادي ولم يعارضني سي أحمد بن صالح, وكان ذلك ربما  في سنة 1965 أو 1964 وحتى عندما زرته في منزله بعد إزاحته من مسؤولياته في سبتنبر 1969 لم يحدثني عن هذا أبدا.
وبدأت في سنة 1969 تبرز إشكالية تفاقم ديون وخسائر بعض المؤسسات العمومية بعضها  كان راجع لأسباب هيكلية وبعضها كان  ناتج عن خلل في التصرف. وكنا مجموعة من الإطارات العليا نحضر في لجنة الدراسات للحزب الذي كان مقرها أمام الحزب في نهج روما في عمارة بها قاعة اجتماعات فسيحة كان يحضر في هذه الاجتماعات الأستاذ الهادي نويرة والحبيب بورقيبة الأبن والأستاذ أحمد بن صالح الذي يسيره, و كنت مسؤولا على إدارة الاداءات و كنت مسؤولا كذلك كمراقب مالي لثلاثة مؤسسات عمومية منها الشركة التونسية للكهرباء والغاز التي كان يديرها السيد بكار التوزاني. ومع عدد من الزملاء أثرنا في اجتماع من اجتماعات لجنة الدراسات موضوع تفاقم خسائر بعض المؤسسات العمومية وذكرنا بعض الأسباب ودعونا إلى أخد التدابير اللزمة. واستمع إلينا الجميع بانتباه, وفرح الأستاذ الهادي نويرة بطرح الموضوع من القاعدة وتجاوب معنا الأستاذ أحمد بن صالح بكل تلقائية وفي نهاية الحديث تقرر تشكيل لجنة متكونة من التيجاني حرشة, ورشيد بن يدر, محمد غنيمة ورشيد صفر لإعداد دليل حسن للتصرف في المؤسسات العمومية, هذا كان في شهر ماي 1969 .انطلقنا نعمل وكنا في الغالب الوقت نجتمع أسبوعيا في منزلي خاصة في فصل الصيف تتم الاجتماعات في المساء للتحاور ولتقارب وجهات النظر, وعندما انتهينا من صياغة هذا الدليل في خريف 1969 برزت أزمة للسيد أحمد بن صالح أنتم تعرفون تفاصيلها. وكان من المفروض الاقتصار على قرار سياسي على أقصى حد, وكانت محاكمة الأستاذ أحمد بن صالح في غير محلها, مظلمة في حقه وخطأ سياسي فادح تحملت تداعياته البلاد. قد تحمس الرجل في الحقيقة للتعميم السريع ولم يكن بمفرده وتفاعل معه الكثير بما فيهم الرئيس الذي كان في المقدمة. وقد أعترف بذلك بعد رجوعه من فرنسا ومرضه الخطير. قد اعترف الرئيس بورقيبة في خطابه أنه أخطأ في توجهه ولكن أعتبر أن بن صالح هو الذي غالطه لإبراز نتائج إيجابية كبيرة. وفي الواقع هنالك نتائج إيجابية بالنسبة للمرحلة الأولى منها خاصة الأراضي الدولية التي انطلقت فيها الأعمال بتنظيم محكم من طرف إطارات ذات كفاءة عالية. ولكن لم تكن إطارات متوفرة لعملية التعميم  وأصبحت  التجمعات إجبارية. 
 بمجرد بلوغنا قرار التعميم اتفقت مع زميلي المنصف بالحاج عمر مدير ميزانية على طلب معد لمقابلة السيد أحمد بن صالح في مكتبه بالقصبة. وبقيت  الصورة أمامي لا تمحى وقلنا له بكل صراحة. نحن لسنا سياسيين ولكن بحكم مسؤولياتنا كإطارات لا يوجد أي مبرر عقلاني ولا علمي ولا تقني يفسر أو يبرر مثل هذا العمل, ليست لدينا الإمكانيات للإقبال على هذا التعميم السريع و الكارثي من جميع الأوجه, وبالرغم من انطلاق مدرسة التعاضد  في تكوين الإطارات فيبقى عددها غير كافي. انطلقنا في تحليلنا للأوضاع لا من منطلق إيديولوجي بل من منطلق عملي و كان واجبنا يملي علينا هذا التحذير لوزرينا الذي كنا  وبقينا نكن له كل التقدير. أجابنا السيد بن صالح بأن القرار هو قرار السيد الرئيس الذي يكون قد قال له أسرعوا وأنجزوا  قبل أن أرحل عليكم ولن تستطيعوا أبدا تحقيق هذا العمل الجبار بعدي. تعجبنا من ذلك الجواب....
عندما وقع تعييني مدير الاداءات في  شهر جانفي 1969 اتصل بي هاتفيا سي الهادي نويرة وكان محافظ البنك المركزي وبعده, المرحوم  علي الزواوي و كان محافط مساعد للسيد نويرة وقالا لي نفس الكلام:" سي رشيد نهنئك بالمسؤولية الجديدة الثقيلة ولكن كيف ستفعل لتحقيق استخلاص موارد الدولة؟ " كانت تلك التهنية الهاتفية الثنائية قد زادتني يقظة و جعلتني أشعر أني أمام تحدى كبير وابتكرت طريقة جديدة لمتابعة دقيقة وتحليل وعمق لنتائج  مختلف أنواع الاستخلاصات شهريا وذلك على المستوى كل ولاية ثم على المستوى القومي. وباشرت طيلة السنة هذا العمل بنفسي مع تشريك كافة رؤساء المصالح وكنا نأخذ التدابير العملية على ضوء تلك المتابعة الدقيقة و الشهرية, وأعتقد أن المؤرخين سيجدون في وثائق الخزينة كافة الأرقام التي تفسر كيف أنه في هذه السنة التي اعتبرت سنة أزمة مالية من جراء تعميم التعاضد قد  توقفنا في إدارة الاداءات إلى الاقتراب من تحقيق  إستخلاصات موارد الميزانية لسنة 1969 كانت قريبة جدا من التقديرات المرسومة في قانون المالية. و هذا يبين بما لا شك فيه أن الأزمة من الناحية المالية لم تكن بالخطورة التي قدمت بها,و صحيح  أن هنالك أشياء لو استمرت لكانت تؤدي إلى أزمة مالية حقيقية.
في قراءة موضوعية للتاريخ فوائد جمة  ولا تنقص  هذه القراءة من قيمة من إجتهد  وعمل بصدق ولا تنقص من قيمة من تحملوا المسؤوليات في مرحلة معينة. وعلينا أن نعترف بأخطائنا لأن الأخطاء هي من سمة البشر, والكمال غير موجود في البشر, والعمل يكون  غالبا منقوصا  وذلك حتى في المجتمعات التي تنعم بالحرية  وبالديمقراطية. وفي العمل الاقتصادي وفي العمل السياسي ليس هنالك حلولا مثلى, ثمة حلول بها أقل عيوب من غيرها. والأستاذ الهادي البكوش الحاضر معنا اليوم بإمكانه أن يفسر لنا la relativité de la décision dans le domaine politique
إما في ما يخص الاقتصاد و خلافا لما يتصوره الكثير أن العلوم الاقتصادية ليست بالعلوم الصحيحة وبالرغم من توغل الرياضيات  والأمثلة الرياضية في الاقتصاد يبقى منطلقه الاساسي العلوم الإنسانية.  نعم يتعين أن يكون منطلق الاقتصاد  السليم أساسا العلوم الإنسانية والاقتصاد السياسي...
الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من البنوك الأمريكية  سنة 2008هي كذلك أزمة العلوم الاقتصادية ومن بين العناصر المفسرة للازمة الأزمة نجد البرمجيات الإعلامية التي صممت لبيع وشراء الأسهم في البنوك والمؤسسات المالية. وهي برمجيات أصبحت خارجة عن نطاق يد البشر والإطارات وأصبحت الحواسيب بصفة أوتوماتيكية اعتمادا على هذه البرمجيات تقرر بمفردها بيع وشراء الأسهم والرقاع والمنتجات المالية المعقدة والغامضة في لمح البصر و على مدى الأربع وعشرون ساعة. وأن كبار الاقتصاديين يعرفون حق المعرفة أنه مثل ما هو الشأن في المجال السياسي,  يبقى القرار الاقتصادي مجرد اجتهاد بشري..   لذلك  من واجب الاقتصاديين تقديم كل الحلول المتاحة مع تبيان فرضياتها و مزاياها و كذلك عيوبها. ويبقى على السياسيين أخد القرار. وفي الفترة الأخيرة التي عاشها العالم في ضل عولمة متوحشة و بلا ضوابط, طغت  غالبا القرارات الاقتصادية المتعلقة بإزالة الضوابط على القرارات السياسية التي كان من واجبها تهذيب توحش العولمة. فالأزمة العالمية حتمت الرجوع إلى  تدخل الدولة أي إلى القرار السياسي..
لقد مر الوقت بسرعة ولم أتناول مواضيع كثيرة منها الأزمات الكثيرة التي عشناها مثل أزمة جانفي 1978 وأزمة الخبز في جانفي 1984 وأزمة 1986 ونهاية عهد بورقيبة وفساد عهد بن علي..  ولكن  نظرا لقصر الوقت في هذا اليوم نكتفي بهذه المقدمة التي يمكن أن نستخرج منها على الأقل درس  أولي  يصلح للمستقبل: في الخمس العقود الماضية حققنا إنجازات كبيرة لا يمكن إنكارها في مقدمتها تحرير المرأة ونشر التعليم وتعميمه وتركيز نسيج اقتصادي محترم ولكن ارتكبنا أخطاء جسيمة وعشنا أزمات خطيرة كان بالإمكان تفاديها لو كانت الديمقراطية الحقيقية متوفرة داخل الأحزاب السياسية و في المنظمات وفي في المجتمع المدني وفي النظام السياسي للبلاد.
د. عبد الجليل التميمي:
شكرا على هذه الرسالة الناضجة هذه رسالة من مسؤول عرف خبايا الدولة, أنا أهنئك بهذه الحصيلة, الفاعلة جدا وأعتقد أنك الآن فهذا الأسلوب السهل الممتنع فد أبلغنا كل هذه التأرجحات بأمانة وبصدق وبشفافية.
الهادي البكوش:
عندما نستمع إلى أخينا سي رشيد صفر وأكثر من يتسم به من صدق نتجاوز كل الاعتبارات السياسية وفهمت من كلامه أنه في حيرة, ولم يكن وجه في حيرة وكل السياسيين في حيرة كنا ننجز في إقدام, وتلك التساؤلات لا ينتج عنها توقف عن النشاط بل نبقى نشيطين مع تلك النقائص. والحيرة الأولى في الحقيقة عاشها هو الكثير من الإخوان هي السياسة الاقتصادية التي وقع انتهاجها, تعرفون وإن أولوية الحبيب بورقيبة هي تخليص البلاد من الاستعمار وتحقيق الاستقلال, وقد سهّل في مراحل عديدة آخر مرحلة الجلاء الزراعي, هذه كانت الأولوية لا بد من بناء الاقتصاد, بورقيبة هو سياسي ولكن أيضا ولكن كان عارفا بالميدان الاقتصادي أولا مقالاته تتعلق بالميزانية تبني تصريحات قدمتها مجموعة من الوطنيين والنقابيين في إطار الاتحاد العام التونسي للشغل بها نظرة إرادة وعزيمة, ثمة أناس إذا لم يكن لهم تكوين اقتصادي وليس لهم ما يسمى إرادة التكور ما كان يميل الحبيب بورقيبة إلى أحمد بن صالح, الحبيب بورقيبة لم يكن يطمئن إلى أحمد بن صالح, أحمد بن صالح كان دستوريا أو بالأصح أنوه كان دستوريا ولما كان نشيطا في باريس كان مشاكسا للأناس الذين يمثلون االحزب, الجلولي فارس, الطيب المهيري, الطيب السحباني, ثمة تعلق بالحزب, ثمة ما يسمى الأورتودوكسين, أحمد بن صالح, كان مثقفا تحصلوا منه لما أرسلوه ليدرس صغار, رؤوف باي مع المنصف باي رجع وقتها أحمد بن صالح إلى تونس كان أيضا مشاكسا كان ضد صالح بن يوسف, وكان يقوم بالمجاهرة بالعباد وبصالح بن يوسف ولو أنني لم أكن مثقفا معه في التوجهات لكن كانت لدينا فكرة الانضباط الحزبي, هو كان مشاكسا للتاريخ نقده فرحات حشاد وأرسله إلى بوركسال, من بروكسال, دخل الباهي الأدغم في الحركة الوطنية في الحركة النقابية, بورقيبة كان له بالمرصاد فوجد لديه محبة لمستقبل تونس مكره أخاك لا بطل, بعد تجارب عديدة كلفه بالتسمية في تونس وبورقيبة دائما يراقبه في لجنة تنسيق تونس بدأ أحمد بن صالح يتحدث عن الملكية, جاء بورقيبة وألقى خطابا, الملكية هي وظيفة اجتماعية أراد أن يقوم بالإصلاح مسيرة أحمد بن صالح ليست مسيرة ديمقراطية تدخلت بها حسابات سياسية محيط أحمد بن صالح جعلوه يعتقد أن حسيب بن عمار في تونس وأنا في صفاقس بصدد تعطيل المسيرة, وعوض أن نتفق, ثمة صعوبات موضوعية عندما تصطدم مع استعمار ذاتي تتراجع, تكونت بطانة حول أحمد بن صالح كل من يتساءل ويبدي حيرة. في الوقت إذ الابتعاد عن هذه المشاكل يكون سببا في الفشل, الطاهر صفر كان واضحا يطلع يقرأ ويتابع يقول أن فرنسا على أبواب حرب يدخل الشعب في اصطدام مع فرنسا يدخل كلنا السجون الشعب لن يجد من يسيره, ثمة مشكل واضطر اعترافا في التوقيت بورقيبة فهم قليلا الديمقراطية ولكن في الأخير أصبح متسلطا, أنا أظن أن الخسارة الكبيرة التي وقعت لنا في ؟؟؟؟؟؟ هي أن المنصف باي لا يعرف السياسة حوله أناس لا يعرفون السياسة, حرب عالمية كبيرة, رئيس أمريكا يرسل للباي يقول له نحن في حرب نطلب منك مساعدتنا وأدخل معنا ومضت فترة حاسمة لم يحسن الاختيار لمساعدة تونس في مواجهة الأحداث, ملك المغرب فهم قليلا لو كان بورقيبة أو الطاهر صفر آنذاك حول المنصف باي أعتقد أن الاختيار سيكون أحسن وفيها إيجابية كبيرة. ما الفرق بين الحزب القديم والحزب الجديد؟ الفرق هو أن الحزب الجديد دفع الشعب إلى الاستقلال, أفليس الدساترة وتوفي من توفي لكن بعد أحداث 9 أفريل حزب بورقيبة وحزب الدستور الجديد أصبح حزبا شعبيا حزبا جماهيريا, ثمة سلبيات لكن ثمة إيجابيات لو لم تقع معاهدات 9 أفريل وما لحقها الحبيب ثامر لما كان لبورقيبة أداة عمل فاعلة ولكن الديمقراطية لا بد منها.
آخر أيام بورقيبة صحيح هو بطل ولكنه أصبح عاجزا عن التفكير لا يقبل الرأي المخالف كل من يتلفظ بشيء لا يرضي بورقيبة يقع إبعاده.
كلمة أخيرة أن المناضلين الذين يحبون بلادهم عندما يكونون حائرين ومساءلين نحن سكتنا في الأخير أقول أن الإنسان عندما يكون حائرا يجب أن يعبر عن حيرته وعندما يجب أن يبتعد يجب أن يبتعد.
الحبيب قرفال:
شكرا للأخ والصديق رشيد صفر عما قدمه القائد رشيد اليوم وأنا تعمدت استعمال كلمة القائد رشيد لأنه وطني غيور على بلاده يتساءل هل تكون أخطاء الماضي صالحة اليوم أم أن التاريخ يعيد نفسه !
أستسمحكم في شيئين اثنين, أولا نحن كنا مع بعضنا البعض في الكشافة وفي اتحاد الشباب ويوما ما أعتقد في سنة 1958 زارني الحبيب بورقيبة ولكن عند عودته من الزيارة شعر بأن الحبيب بورقيبة غاضب عليه وأردت أن أذكره بذلك وأن شخصيته شخصية أبيه.
النقطة الثانية التي أريد أن أسوقها في سنة 1958 في إطار اللجنة العليا للشباب الدستوري, كلفت بزيارة يوغسلافيا, المهمة الأولى كانت حول دراسة التعاضد في يوغسلافيا باعتبارها قريبة منا في النظام, وأردنا آنذاك أن نستفيد منها, زيارة التعاضد وتقديم تقرير بشأنه ودراسته؟؟؟ المندوب السياسي في يوغسلافيا le commissaire politique وعدت بتقرير أسود, أعتبره أسودا لأنني فسخت الاقتراح وقلت لا سبيل إلى اتحاد مندوبين سياسيين في تونس وكان الأمر عكس ذلك. ما حدث التعاضد رغم الملاحظات السلبية التي قدمتها وذهب بورقيبة في تطبيق المشروع مشروع التعاضد.
أريد فقط تعقيبا على ما قاله سي الهادي البكوش أن بورقيبة لم يكره بن صالح لعدة اعتبارات أشار لها سي رشيد, كنا في شهر أوت 1969 تمنيت أن سي الهادي كان حاضرا وقد أدى أحمد بن صالح زيارة إلى صفاقس واستقبلته صفاقس بحفاوة كبيرة وأذكر هنا بحادثة عندما رافقت بورقيبة سنة 1955 في ذكرى وفاة الهادي شاكر, ولم يفرح به أهالي صفاقس وكنت معه في السيارة ولم يتم استقباله استقبالا حارا, يقول وقتها المرحوم محمد صالح الحاج كان بورقيبة اليوم يتفرج على التلفزة ويرى هذا الاستقبال الرابع لأحمد بن صالح وهذا رأيي أيضا لأنني أعرف سلوك بورقيبة, وبعد نصف ساعة اتصل بي المرحوم محمد صالح بالحاج رحمه الله وقال أن وسيلة الآن كانت معي على الهاتف وقالت كان بورقيبة يشاهد التلفاز وهو غاضب غضبا كبيرا.
نقطة أخرى أثارها الأخ رشيد, في بداية الاستقلال وفي مؤتمر 1955 كانت لنا أولويات أخرى هي تحقيق الاستقلال وكيفية المحافظة على وحدة قومية. نفس المشكل تيار اليوم كيف نظم المقاومون ونهتم بهم والشهداء وكان المقاومون في صفاقس يطغون على المؤتمر ويقولون الكعكة ستقسم ونحن ماهو نصيبنا منها وكانت هذه الأولوية, لم تهتم بالشؤون الاقتصادية أو غيرها لديمقراطية كانت مساندة في الحزب كنا في لجنة تنسيق تونس نناقش بكل حرية, ونعارض الديوان السياسي ولم نكن نتفق مع الديوان السياسي في بعض المواقف فكنا حريصين على أن يكون الحزب ديمقراطيا.
عامر قريعة:
أنا لن أدخل في الجزئيات إنما ثمة بعض العناصر الهامة, خلخلة بعض الشيء الأنظمة التي مرت على هذه البلاد, هو أن الحزب يبدأ ديمقراطيا في البداية, هو أن الحزب يبدأ ديمقراطيا في البداية ثم ينقلب إلى مصالح, بحيث أخطر نقطة في نظري أن الحزب يكون مندمجا في الإطار الضيق من العملية في المرحلة الأولى والمرحلة الثانية, بحيث حتى في مرحلة بن علي في البداية أو مرحلة أحمد بن صالح في البداية, تنساق معه ثم تفضحه الحزب ينقلب مع الأيام مع الأشخاص والأشخاص داخل الحزب يتغير مع تغير المصالح, وفي آخر أيام بن علي وصل أساتذة جامعيون قد انحرفوا عن العمل الحزبي وأصبحت الدولة تستغلهم كلهم, المثقفون وغير المثقفين ويستعملهم الحزب لتنفيذ أغراض مصلحية.
النقطة الثانية هو أن هذه الدولة تكون بها رجال من وزراء ومسؤولين وغيرهم ومثقفين لكن للأسف المسؤول ليس له الجرأة ليتكلم عن الحقيقة وهو رمز الخلل, وأنا حضرت في مناسبة مع بورقيبة في مكتبه سنة 1982 في قضية اجتماعية وجمع كل أعضاء الحكومة أنا وقتها معتمد في سيدي البشير واستغربت كيف أن بورقيبة يضرب على الطاولة, مستغربا من أمور الفقر تأكل الأناس الهريسة والمسؤولين لم يعلموه بذلك, ثمة وزير من الوزراء, ومسؤولين آخرين يقولون له ما الذي ستفعله لهم أنت سيدي الرئيس, أنت أمنت له 150 سنة قادمة ! هذا شيء مخجل وهو كان يضرب على الطاولة ويقول لم أقم بشيء, أنا وقتها معتمد وحضر الوزير الأول محمد مزالي وقفت ;قلت له اسمح لي أريد أن أقول كلمة سيدي الرئيس قلت له ما سمعته عن الفقر هو قليل ما أعرفه أكثر عن حالات الفقر أكثر من ذلك بكثير وأن الأمور أكثر مما تتصوره واسمح لي سيدي الرئيس إذا لم تتم معالجة هذه الأمور, فإن الجمهورية مهددة بالخطر وآخر هذه الكلمة فنظر إلى وراءه وقال هل صحيح ما تقوله؟ لم يتفوه أحد بكلمة, حتى أن مدير الحزب ولدي عزمنا على الخروج نظر إلى الوالي وقال كيف يقول هذا الكلام للرئيس !
آخر ملاحظة سي رشيد أذكره في نقطة مع احترامي له وأنا أقدره. قبل 7 نوفمبر 1987 اللجنة المركزية للحزب الأخيرة زمن بورقيبة وقتها سي رشيد وزير أول وسي العابدين وزير داخلية, وأنا والي في بن عروس قلت إننا اليوم سنسمع كلاما كبيرا للجنة المركزية, الناس ستنادي بأعلى صوتها وتقول بأن الوضع في نهايته كنت أتوقع هذا من أعضاء اللجنة المركزية وإذا به كالعادة قام بالجماعة يقول كلام فارغ ! فقلت أنا وقتها كلام "أحرش" بعض الشيء قلت له سيدي الوزير تصل الدولة إلى هذه المرحلة قلت وأصبحت قائمة الوزراء, ونطقت بكلمة كبيرة بدو؟؟؟؟ بها في قفة في شارع بورقيبة سي رشيد وقتها انزعج قليلا وانفعل قال لي ليس هكذا؟ قلت أنا أتجول في شارع بورقيبة, أخذت القائمة وتبين أنها صحيحة, لماذا لا يتم تجميع الأناس الوطنيين ونعلمهم بما يوجد بالبلاد. أردت أن أشكر سي رشيد بهذه المناسبة في المساء, أعلمني الناس أنني لم أعد واليا نتيجة للكلام الذي تلفظت به وسي رشيد لم يتخذ أي إجراء. مسألة شخص قال له ما هذا الكلام الذي قاله سي عامر فأجابه سي رشيد صفر أنا أعرف ما تريد قوله, مدة قابلته بالبحر في المهدية. فشكرته.
د. عبد الجليل التميمي:
ثمة ملاحظة أساسية يقول جميع الدستوريين أن الحزب الاشتراكي الدستوري, كان حزبا ديمقراطيا وبدائية ديمقراطية أنا دائما أسمع هذه اللهجة. والواقع أن بورقيبة تكون في أحضان المدرسة الغربية وتشبع بكل العلوم القانونية في أوروبا ويعتبر أثقف رجل دولة في العالم العربي, في عصره وأن يتولى المسؤولية الأولى في الدولة ويقطع الطريق على شعبنا في تبني أساسات الديمقراطية, فأنا أحمله المسؤولية لأنه لو أن بورقية تبنى سلوكا آخر وعقلية أخرى أنا أقول أن بورقيبة هو رجل جمع كل الأضواء, تجد فيه الرجل الديمقراطي والدكتاتوري والمسلم والغير مسلم, ولهذا أشكر سي رشيد الذي قال أن جيله يتحمل جزءا من المسؤولية ولكن المسؤولية الأكبر والخطأ الأجل الذي ارتكبه الدستوريين هو منح بورقيبة الرئاسة مدى الحياة. وكانت نكسة وخطأ فادحا وجسيما, نشعر اليوم بعمق فداحته على صيرورة بلادنا السياسي.
محمد الحبيب براهم:
استجابة لطلب سي عبد الجليل, سأكون مختصرا على توجيه سؤال جوهري على ضوء هذا اللقاء, لكن قبل السؤال لا بد من الإشارة إلى بعض المعطيات التي تجعل هذه الندوة لها مذاق خاص.
الملاحظة الأولى أن سي عبد الجليل مع احترامي الكامل له وتقديره لرؤياه الوطنية المتميزة نختار في هذا اليوم بالذات ونرى الثورة ثورة الشباب ليدعو مسؤول كبير حوله إجماع في مواصفات النظافة والمقدرة والمثالية على كل المجالات في حديث عن المرجعية النضالية الدستورية منذ نشأتها في الحركة التحريرية والاستقلال, إلى ذكرتياتها في العهد الثاني من مسيرة الدولة التونسية.
اختيار سي عبد الجليل مدروس للغاية وفيه رؤية حضارية هو يوم إحياء ذكرى الثورة, يقع تعميق التحليل في المرجعية النضالية الحزبية التونسية.
الآن بالنسبة لمداخلة سي رشيد مع تحديد كل التقدير والاعتزاز أنا عملت في فترته كوال وككاتب عام للجنة التنسيق وكانت العلاقة النضالية دائما متواصلة والفكرية قائمة ولو من بعيد, سي رشيد قال في مداخلته مع الأسف الوقت لم يسمح له بذكر الجانب الثاني فيها الذي يكمل الصورة العامة إن شاء الله تكون في مناسبة لاحقة, قال السنوات الأخيرة عشناها كمسؤولين نظيفين كإطارات لعبت دورا في بناء تونس ونحن مكتوفي الأيدي ولو أحيانا كنا في مسؤوليات مباشرة, أنا كنت واليا, كنت سفيرا سي رشيد كان في مجالس لها حجم ووزن ولكن أراد أن يقول بكل تواضع نتيجة أخلاقنا نتيجة انضباطنا النضالي لم يكن ممكنا أن نتحرك تحركا فيه تمرد أو نقد ثوري نبتعد عن خصال المناضلين الذين يحبون تونس ويحافظون على استقرارها, قال سي رشيد منذ قليل ألم ك؟؟؟؟؟ بقينا نتابع الأحداث لسنا منجمين معها, أو موافقين عليها, أو مشاركين في جوانب الفساد فيها ولكن في نفس الوقت كنا متألمين من أن لا نقدر على إيقاف التيار, هذه الكلمة أثرت في نفسي كثيرا وأوصلتني إلى هذا السؤال الجوهري, إننا الآن أمام وضع معين هذا اللقاء وهو لقاء حول المرجعية النضالية التونسية, فيها مبادئ, فيها أفكار, فيها محطات ومراحل وفيها إضافة حضارية على المستوى العالمي ككل.
وهو يحضر في هذه الندوات المتتالية التي ينظمها سي عبد الجليل, سؤالي الذي أريد أن أختم به هو أمام الوضع الحالي في تونس بما فيه من مستجدات أفرزتها الثورة وكلنا ندعو الله تعالى أن يحفظ من خلالها تونس, حقيقة في استقرارها, في أمنها, في مسارها التنموي وفي صورتها الحضارية العامة.
ماهو موقع هذه المرجعية النضالية في المنظومة الحالية, منظومة الحكم الحالي بأحزابه, بمجلسه التأسيسي, بتوزيع الأدوار بصورة قانونية وانتخابية سليمة, هذا الوضع الحالي الآني ماهو في نهاية الأمر إلا وضع انتقالي وجاء في خضم ثورة, الثورات الانتقالية, فيها تفاعلات كبيرة, الثورة لها خصوصيات متميزة لا من أنها تنهي فترة زمنية معينة انتقالية فيه هياكل معينة تشرف على الفترة الانتقالية ندعو لها بالتوفيق والنجاح ولكن في نفس الوقت تقول أن الصندوق الذي أفرز الوضع الحالي بأكمله, كان لا يضم إلا أقل من نصف السكان بصورة عامة, معنى هذا أن جزءا هاما من الشعب التونسي أن المناضلين بصفة عامة أن المرجعية النضالية التي سهرت على استقلال تونس ولم يعترض على الثورة بل أصبحت نواكبها من أعماقها مازالوا يمثلون الأغلبية الصامتة التي تجسم ضمير تونس.
سي رشيد سؤال صريح من مناضل إلى مناضل كبير ماهي الطريقة المثالية التي تتوقعها كمناضل لك رصيدك في تسيير دواليب الدولة, في الإيمان المثالي للنضالية التونسية العالية, من والدك التي نقلها لك إلى مواصفاتك الشخصية, نحن كمسؤولين عملنا في عديد المواقع للمسؤوليات ومع الثورة لا يوجد أي إشكال بالعكس تجاوب روحي وتجاوب عملي, لكن الأغلبية الصامتة, المرجعية النضالية الآن الموجودة في كامل الجمهورية وممثل في المسؤولين السابقين في إطارات الحزب جاء بالاستقلال وطور البلاد وبقي في نهاية الأمر سليم, في جزء هام من عناصره, ماهي الصيغة التي تساهم بها في المرحلة القادمة من خلال أي لون من الألوان فيه لون الحزب, فيه لون المشاركة الفكرية فيه لون الإثراء من موقع الحكمة, ماهي الصيغة النموذجية المقترحة للمناضلين في المرحلة القادمة؟
أجوبة رشيد صفر:
تعود المسؤولون القدامى الذين يأتون إلى هذا المنبر الحديث عن مسيرتهم  الذاتية وشهاداتهم تكون أساسا من خلال مسيرتهم لتسجيل معطيات للتاريخ, أنا فضلت طريقة آخر لأتحدث عن بعض الأحداث التي عايشتها البلاد.وقد اتفقت مع الأستاذ عبد الجليل التميمي أن تكون هذه الشهادة مناسبة  نستخرج من خلالها بعض من نقاط الضعف في  مسيرة  البلاد عسانا ننبه ونحذر , و نحن في هذه المرحلة الانتقالية التاريخية, من مغبة العودة إلى نفس الأخطاء ونجد أنفسنا في هذا الوطن العزيز للمرة الثالثة في نظام منغلق متسلط ولن تحل مشاكل البلاد المتراكمة. ولن تتمكن تونس من تحقيق ما تصبوا إليه من لحاق  حقيقي بمستوى الدول المتقدمة. والإشكال الأساسي يكمن في سبل تحقيق رغبات  شرعية في مقدمتها التشغيل, رغبات ثار من أجلها شبابنا لأنه فقد كرامته وحريته, وهذا الإشكال الأول يتطلب حله عدة سنوات كما يتطلب تضافر مجهود جميع القوى الفاعلة في البلاد و كذلك استقرار أمني كامل ولحمة اجتماعية قوية. إما في ما يخص دور العائلة الدستورية إن صح التعبير,  هذه العائلة الدستورية الآن مشتتة بين عدد كبير  من الأحزاب كما هو الحال لكافة القوى االحداثية. هذه الوضعية الخطيرة في البلاد تهدد برجوع الدكتاتورية من جديد. لذلك وضعت في بداية مداخلتي سلسلة من الأسئلة منها هل من أسباب تدهورنا هو تضخم الأنا في كل منا. ثمة "مرض نفساني" أو خصوصية تونسية.. لدينا الكثير من المزايا في شخصيتنا كتونسيين, وهنالك أستاذ نشر كتاب ممتاز على شخصية التونسي هو د. المنصف وناس وقراءة هذا الكتاب مفيدة جدا ولأول مرة يتجرأ مفكر ويقول لنا حقيقتنا. لدينا الكثير من العيوب في مجتمعنا. هذه العيوب تفسر حسب اعتقادي أننا حتى الآن ينتج مجتمعنا قادة ليسوا ديمقراطيين بحق. ثم تزتاد  الأزمة عمقا بميلنا إلى النفاق. فعندما تكلم منذ حين  سي عامر قريعة عن  من يغالي في التمجيد, هو تمجيد يتحول في الحقيقة إلى نفاق و دخل  هذا النفاق في سياق سلوكنا وأصبح يسمى "حسن معاملات".
إذن ما العمل ؟ حقيقة الأمر تتمثل في أن النظام الذي سيبرز هو مستخرج من القوى البشرية  الموجودة في مجتمعنا بإيجابياته ونقائصه. و لا يوجد بالطبع  نظام مثالي في العالم. كلنا يتمنى أن النظام الذي سيأتي سيكون أحسن بكثير من الأنظمة السابقة على الأقل يكون هذا النظام أقل عيوبا. فما هو دور الدستوريين في هذه الفترة التاريخية؟ أولا عليهم أن يتجمعوا  وثانيا أن يقلعوا عن القراءات القديمة للتاريخ بعد نصف قرن من التمجيد  ويعترفون بالنصف الكأس الفارغة والنصف الملآنة.
يجب أن نعترف بأخطائنا وأن ندافع للحفاظ على مكاسب المجتمع التونسي وفي مقدمتها مكاسب المرأة التونسية, ونكون بهذه الطريقة أفدنا العائلة الدستورية وأفدنا البلاد . وبهذه الطريقة يعطي الدستوريون المثل للأحزاب الأخرى حتى يتجنب الجميع تكرير الأخطاء ويقوموا هم كذلك, بنقد ذاتي لمرحتلهم النضالية و للمرحلة القادمة التي سيتحملون فيها قيادة البلاد., يجب القطع مع هذه الدوامة المتمثلة في تكرار الأخطاء. الوقت سيسمح للعائلة الدستورية بجمع أنفاسها, أنا قمت بمبادرات متواضعة لحث بعض الدستوريين لجمع الشمل ولكن للأسف إلى اليوم بقي تضخم الأنا مستمر والاستعداد للنقد الذاتي الموضوعي لإبراز الإيجابيات والسلبيات غير متوفر لدى الجميع ولا بد من وقت طويل لتتآلف هذه الأحزاب المشتتة لتقوم بدور إيجابي كمعارضة سياسية إيجابية  ومسؤولة وبمرجعية فكرية تتلاءم مع مقتضيات القرن الواحد والعشرين.
محمود بالسرور:
شكرا لسي رشيد صفر على المقاربة التي قدمها للعمل الحزبي الدستوري منذ ما قبل الاستقلال.
في ملاحظات أولية للمحاضرة القيمة يقول أن هنالك تضخما في كتابة التاريخ ولا يستثني في ذلك أي دولة عربية ولا دولة إسلامية, ربما حسب رأيي هذا ينطبق فقط على الدول العربية ولكن لا ينطبق على بقية الدول الإسلامية لأن الدول الإسلامية الأخرى خرجت من هذه المعادلة الصعبة وعاشت مراحل ديمقراطية نحن بعيدون عنها اليوم.
أنا أقدم دائما مثلا للنموذج في ماليزيا, ماليزيا خرجت منذ بداية الاستقلال سنة 1957 من وضع سيء للغاية اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا, وكانت من أفقر الدول في العالم الإسلامي, واليوم هي في مقدمة العالم الإسلامي وقبل إيران وتركيا والجزائر وتونس غيرها, لسبب واحد أنها تمشت منذ البداية في العمل في العمل الديمقراطي واحترمت الحقوق الأساسية لكل القوميات المتواجدة والأديان المتواجدة في ماليزيا من ؟؟؟؟ وغيرهم وبالتالي هنالك الكثير من الاستنتاجات لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار اعتبار وتلك الدول الآسوية الإسلامية مثل ماليزيا وأندونيسيا, وأندونيسيا خرجت من نفس التجربة التي خرجت منها تونس بعد المرحلة التالية من الحكم السلطوي والدكتاتورية لأن الجنرال سوهاردو خرج من الحكم, بعد استبداد قوي وشعب يغد 200 ألف شخص أندونيسي, وخلال المدة من حكم سوكارلو حكم سوهاردو ولكن في سنة 1998 إلى غاية 2003 أصبحت أندونيسيا دولة بارزة في العالم, 245 مليون نسمة ونجحوا في انتخابات ديمقراطية شفافة وخرجت أحزاب متمسكة وكل تواضع بالحريات الأساسية ومعترفة بالأديان الأخرى في عمل جماعي.
الملاحظة الثانية حول المشهد السياسي اليوم سيادتك تفضلت وقدمت لنا لمحة عما يمكن أن يكون هذا المشهد السياسي بعد 23 أكتوبر بعد بروز الأحزاب أصبحت في الحكم, تقاسم في الحكم بين ثلاثة أحزاب حزب النهضة وحزب التكتل وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية, وبالمقابل هنالك معارضة في المجلس الوطني التأسيسي, ولكن هنالك reclassement politique وقع اليوم ويضع أكثر فأكثر في الأيام المقبلة. أولا لأن أحزاب تريد أن تلتحم مع بعضها البعض في المعارضة وثانيا أن العائلة الدستورية أو البورقيبية أو ما يسمى بالبورقيبية الجديدة, تريد أن تنظم أنفسها لكن على أساس ماذا؟ على أساس فكر الطاهر صفر رحمه الله, أو على أساس الفكر البورقيبي؟ إذا كانت على حساب المرجعية البورقيبية, أنا لا أعتقد أنه سيكون لها مستقبل كبير, لأنه سيكون شبه ما حصل في تركيا بعد كمال أتاتورك وهذا الأخير لم يخالف مدرسة فكرية سياسية, المشكل أنه اليوم تونس بعد الثورة في صراع بين استرتيجيتين, استراتيجية قادمة من أمريكا والحركة الصهيونية, واستراتيجية ثانية قادمة من أوروبا عن طريق فرنسا وهاتان استراتيجيتان, تتصارع على الفضاء الجيوسياسي لا فقط في تونس وليبيا بعد الحرب وإنما على منطقة المغرب العربي, والأخطاء السياسية متأتية من إخواننا المسلمين من الوهابية ولها تأثير سلبي على ما نعيشه في المشهد السياسي التونسي.
محمد الهاشمي حمزة:
كنا في نفس السن مع سي رشيد ودخلنا الدستور سنة 1947 مع بعضنا في صفاقس ثم خرجت, أنا أعتقد أن العمل السياسي أصعب بكثير من أي عمل, أنا لعبت دورا صغيرا يعطي الأولوية لطرح المشاكل التونسية عن طريق السياسة ولكن أذكر هنالك أناسا مسؤولين ويعملون في الخفاء, أنا كنت مدير عام للغابات وكذلك سي مختار العتيري وآخرون منهم من توفي ومنهم من مازال على قيد الحياة, ماذا فعلوا في الميادين الصعبة؟ لحفظ الأرض من الانجراف لحفظ السدود, هذا عمل جبار قمنا به بعيدا عن السياسة ولكن عملنا بأمانة, سؤالي هل كل السياسيين يفهمون معنى الأمانة, أنا خرجت من الحزب لأنني وجدت الكثير من الانتهازيين قد دخلوا الحزب لخدمة مصالح شخصية فخانوا الأمانة.
 جواب رشيد صفر.

السيد محمود بالسرور أشار إلى التجربة الماليزية وهو على حق. و أريد أن أؤكد أنني متفق معه تمام الاتفاق في ما يخص نجاحات التجربة الماليزية وعندما تحدثت في مداخلتي كنت أفكر الدول العربية أساسا وجل الدول الإسلامية, وقد نسيت في ذلك الوقت التجربة الأندونيسية والتجربة الماليزية وهي مناسبة لأؤكد لكم إننا في 1996 عندما عهد لي بن علي رآسة لجنة تفكير استشرافي -مكونة من عدد من رجالات تونس, مثل السادة مصطفى الزعنوني, و صالح الحناشي, ومحمد الهادي خليل, المتواجد معنا اليوم والأستاذة رياض زغل,  والسيد إسماعيل خليل, و فوزي بالكاهية, ,  والاستاد الشاذلي,القليبي, والسيد مصطفى بن إسماعيل وعدد كبير  آخر من الخبراء من مختلف الاختصاصات فاق 1600 خبير- حرصت على توزيع  على مختلف اللجان وثيقة عن التجربة المالزية .
,قد طلب منا أن نقدم تصورات لتونس القرن 21 وأن نقترح الدراسات التي يتعين القيام بها لضمان سبل للحاق بالدول المتقدمة في الربع الأول من القرن العشرين. وأخذنا من جملة الوثائق المرجعية كتاب  عن تصورات مستقبل مليزيا للثلاثون السنة المقبلة 2030vision malaisienne, وقد ساهم في هذه الاستشارة أكثر من 1600 إطار تونسي على مستوى قومي و على مستوى الجهات وهم إطارات أكفاء وعملوا طيلة 3 أشهر في فصل الصيف. كنا نعمل صباحا مساء وجميعنا كان متطوع لهذا العمل الجماعي. و طلب منا أن نعد التقرير النهائي لذكرى 7 نوفمبر 1996 وقمنا بالعمل على أساس حرية مطلقة في النقاش وفي تحرير التقارير. كان بن على يتابع عن بعد أشغالنا, فعندما أكتشف صراحة الحوار -وربما أزعجته بعض التدخلات- دعاني مع أعضاء المكتب المسير للاستشارة  للاجتماع معه في قرطاج ويجد الباحثون في الجرائد صورة له مع أعضاء المكتب.  وفي اجتماعه بنا طلب منا إعلامه بأهم ما توصلنا إليه في أعمالنا ثم قال لنا في قالب توصياته لمواصلة العمل بسرعة أكبر:" التوجهات واضحة و معروفة ويمكن الإسراع واجتناب التدخلات الجانبية المغرضة" ثم أضاف بالفرنسية جملة كأنها خرجت من فمه جزافا ' ma devise est marche, avance ou crève" صدمت تلك الجملة  ومن ذلك الوقت بدأت أشعر بأن الرجل الذي كان يمسك بالبلاد ربما يكون مصاب بازدواجية الشخصية. خرجنا من هذا الاجتماع و وتركنا الأمور في الاستشارة تسير كالعادة. ولم نعلم أحدا بتدخل بن على في سير أعمال الاستشارة التي أصررنا على أن تبقى مداولاتها وصياغة تقاريرها حرة و بكاملة الحربة. وأقترح مصطفى بن إسماعيل أن نتحدث مع الشبان عن القرن 21, واجتمعنا مع  حوالي  ألف شاب من مختلف الجهات في دار الشباب بالمنزه وبقينا نتحاور معهم أياما و قمنا باستفتاء, وطلبنا من الشباب أن يقول لنا ما هو البلد الذي يريدون أن تصبح مثله تونس  قبل سنة 2020, ,  وأجاب80% منهم : "نريدوا أن تصبح تونس مثل سويسرا "وانطلقنا معهم في السؤال لماذا سويسرا هل في مستوى العيش, أم الانضباط أو النظافة أو الديمقراطية ؟ وكان حوار منعش ونتيجة هذا خرجنا بوثيقة ائتلافية جيدة ومفيدة. واقترحنا على  بن علي أن يقع توزيع  ملخص التقرير يوم 7 نوفمبر بالقاعة التي ملأها بالإطارات للاستفادة. ولكنه رفض ذلك ورفض حتى توزيع الوثيقة على المشاركين في الاستشارة والذين عملوا كمتطوعين بدون أي أجر. ولكننا بالرغم من ذلك سلمنا بعض النسخ من التقرير إلى بعض الأعضاء وهذه نسخة أهديها لكم سي عبد الجليل لتبقى على ذمة الباحثين التونسيين. هذا التقرير للتاريخ هو الشاهد, ثمة إطارات قامت بواجبها.
أما في ما يخص منطلق حديثي من الحوار الذي دار بين بورقيبة وبين الطاهر صفر في مارس 1938 كان أساسا مفاده أن الطاهر صفر كان متعلق ب فلسفة غاندي وهذا موجود في كتاباته, أعجب الطاهر صفر بمنهجية غاندي و كان والدي يرغب بأن يتبنى الحزب الحر الدستوري المنهجية "الغاندية" مع تطويرها للواقع الاستعمار الفرنسي الذي كان يختلف على الاستعمار البريطاني,  فكان الطاهر صفرلا يقبل بأن يكون الحزب هو المبادر بالعنف.  و وكان يريد أن يبرز للمنتظم الدولي  أنه في كل الأحداث فرنسا هي المبادرة بالعنف, هذا شيء أساسي بالنسبة لتفكير والدي وله تأثير على مجرى الحيات السياسي في بلادنا بعد الاستقلال. و أعتقد أن والدي كان على صواب إذ أننا نلاحظ مع الأسف في مسيرتنا  أننا استعملنا العنف مع بعضنا. وقع ذلك منذ 1937 عندما رجع عبد العزيز الثعالبي وذهب لعقد اجتماع في ماطر أين بدأ العنف بين أتباع الحزبين ولم يتعايشا حضاريا قبل الاستقلال ولم يترسخ في تقاليد العمل السياسي لا قبل الاستقلال ولا بعد الاستقلال نبذ العنف السياسي. العمل الديمقراطي الحقيقي يبدأ باحترام الغير والخصم وحتى عندما نتجادل فيكون ذلك بألفاظ معقولة. بعد الانشقاق بين الحزب الدستوري القديم والجديد كانت الألفاظ شنيعة والتراشق بكلام غير لائق, فهذه هي إذن مواضيع وسلوكيات كان والدي يعتبر تغييرها  عمل أساسي بالنسبة لمستقبل الوطن وكان يرغب في أن يتبنى هذا المنهج السليم الحزب الذي بعثه مع زملاءه في قصر هلال.
أظن أنه لنا الآن في تونس جانب من المجتمع المدني واعي بخطر العنف في المجال السياسي, وهنالك بوادر عمل لتجنت سلوكيات الماضي. وبتحمل بروز بعض العنف ولكن المجتمع المدني  يتصدى له, والمجتمع  التونسي يتطور حضاريا و معريقبا. لا تقول أنه بعصا سحرية سوف يزول العنف من الساحة. ولكن تدريجيا ستشعر النهضة نفسها أنه من مصلحتها تبني أن يكون العنف في يد السلطة لمعاقبة من يقوم بالعنف, العنف الشرعي في يد السلطة,ولكن لا لقمع الرأي ولقمع حرية الرأي وحرية التظاهر السلمي, بل استعمال القوة والعنف الشرعي من طرف السلطة لمعاقبة من يقوم بالعنف. هذا هو الحل السلمي, وحول هذا تلتقي النوايا الطبية نحن الآن في حاجة إلى كل الرجال وكل النساء للالتفاف معا حول هذه النوايا وهذه القيم.
د. عبد الجليل التميمي:
أنا سمعت أنه ثمة مركز دراسات بالرئاسة ذهبت إلى الرئاسة فقلت لهم أريد أن أرى الأرشيف, نحن أثرنا قضايا الجامعة, مستقبل الماء فأعلمني المسؤول أن هذه الكتب وهذه الدراسات لا يقرأها إلا بن علي, لا يمكن الاطلاع عليها. لا يوجد موقع بالأنترنت والميزانية حوالي مليار وثمة استشارة قمنا بها مع سي الهادي مستقبل الجامعة لما كان وزيرا أولا وأيضا مستقبل دور تونس في إفريقيا كل هذا عبارة على تلميع صورته على أنه قام بالعديد من الإنجازات أظن أننا الآن نعيش في مناخ آخر, بن علي لم يفلح في العمل الجماعي, أعطيكم مثلا بسيطا مركز Aix en provence على بعد ساعة, فيه حوالي 200 خبير أي القضايا التي تثار في المغرب العربي أو في العالم العربي يقومون مثلا بموضوع الهجرة, واحد ألماني وفرنسي وإيطالي وتتضافر الجهود ويتم نشر عمل جماعي, نحن لسوء الحظ العمل الجماعي باء بالفشل وأنا أذكر أنني مع سي دالي الجازي رحمه الله, لما أرادوا قبل CERES وهو نموذج رائع للبحوث الاقتصادية والاجتماعية, تقول لي سي التميمي ذاك هو ؟؟؟؟؟؟ وهو وزير تعليم عال, بحيث لسوء الحظ مازلت لم تكون لنا رؤية المصلحة العامة ولا بد للدولة الجديدة أن تدرك أنه في هذا البلد ثمة كفاءات, أناس على مستوى دولي, خبرات ولا يمكن للنظام التقليل من الكفاءات التونسية في كل القضايا إذا لم تدرك هذا لإنه لا سبيل إلى بناء تونس الجديدة.
شكرا لك سي رشيد وللحديث بقية سندعوك لتحدثنا عن تعايشك مع بن علي والأهم منها هو مرورك بالكثير من الوزارات وبصماتك في هذه الوزارات لا بد أن نعرف أعمالك. شكرا لكم جميعا.